الجيشان يوم الأربعاء لسبع خلون من رجب ، ووقع بينهما قتال لم ينازله إلّا من زكى أصله الشريف ونجب ، لأنّه كان محك الفرسان من السادة الأشراف ، والموقف الذي لم يسع الضدّ فيه إلّا الاعتراف ، فلقد أعلوا فيه القاضب والعسال ، وفتكوا في عدّة من الخيل والرجال .
ثمّ ارتفع ذلك القتام « 1 » ، عن توجّه يحيى ودخول مبارك إلى البلد الحرام ، وصار ذلك كلّه من أوّل الليل إلى مضي خمس ساعات من النهار ، ولعمري انّها عبرة لذوي الاعتبار ، وحكمة قادر عليم ، ومدبّر للأمور حكيم ، فدخل مكّة المشرّفة ، ورفل في حلل ولايتها المفوّفة ، وصرخ مناديه باسمه العالي ، ولسان حاله ينشد كلّ عدوّ وقالي .
ومن يعص أطراف الزجاج فإنّه * يطيع العوالي ركّبت كلّ لهزم
ثمّ بسط بساط العدل والأمان ، وعمّ رعاياه بالرأفة وشملهم بالجود والاحسان ، واستألف من كان مناصيه من رؤساء السادة ، ومنحهم برّه وإسعاده ، استقرّت البلاد ، واطمأنّت العباد .
ومدحه شعراء مكّة بما هو أرقّ من الصبا ، وأدقّ من أحاديث الصبا .
فمن جملة من مدحه ، وأفعم من برّه قدحه ، جامع هذا التأليف ومنشئه ، وحائك بروده وموشيه ، بقصيدة رائيّة ، سمت بمديحه على القصائد الطائيّة ، وهي :
لعلوي ربوع باللوى وخدور * فهل لك يا حادي الضعون تزور
تجدّد عهدا باللوى جاده الحيا * فلي في رباه روضة وغدير
هامش
( 1 ) القتام والقتمة : الغبار الأسود ، غبار الحرب ، الظلام ، السواد .