حتّى أوصى ، مع أنّهم رووا أنّه من مات بغير وصية مات ميتة جاهلية « 1 » .
وفي هذا وأمثاله من الدلالة على حرصهم على الطعن عليه ، ومبالغتهم في إيذائه ، اقتفاءٌ بأثر رؤساء نحلتهم ما هو كافٍ في لزوم كفرهم وإلحادهم وعتوّهم وعنادهم .
ولهذا كان ما ذهب إليه الأكثر هو الراجح عندي ، وعليه اعوّل ، وبه أفتي ، وهل جهلتهم كعلمائهم في هذا الحكم ينبغي ذلك كما في جهلة الكفّار ؛ لتركهم النظر في حجج اللَّه حتّى يعلموا ، كما رغب سائر الكفّار عن ذلك بإيثارهم تقليد الآباء ، ولأنّ الجهل ليس عذراً في الدين ، وإلّا لأمكن التأويل لمن تكلّم بكلمة الكفر بإمكان غفلته عمّا هو الدين ، ولكان منكر وجوب الصلاة إذا ادّعى عدم الاطّلاع على وجوبها تقبّل دعواه ، ولو كان ممّن نشأ بين المسلمين ، ولكان ذلك عذراً لكلّ من فعل ما يوجب حدّاً أو تعزيراً ، وبطلانه ضروري .
قال فخر الدين الرازي في المحصول في باب عدم قبول رواية المبتدع المحكوم بكفره وهو لا يعلم أنّه كافر : أقصى ما في الباب أن يقال : هذا الكافر جاهل بكونه كافراً ، لكنّه لا يصلح عذراً ؛ لأنّه كافر ضمّ إلى كفره جهل آخر ، وذلك لا يوصف برجحان حاله على الكافر الأصلي ، على أنّه لو كان الجهل عذراً في أُصول الشريعة لكان في فروعها كذلك بطريق أولى ، وقد نصّوا على العدم إلّافيما استثني ، كالجهر والإخفات ، والقصر والتمام .
وحيث بلغ الكلام إلى هذا المقام ، وحصل نيل المرام ، فلنحبس عنان البراعة على هذا المقدار ، حامدين للَّهسبحانه على نعمه الغزّار ، مصلّين على أشرف أنبيائه
هامش
( 1 ) الطرائف ص 382 عنهم .