نظام الدين ، فأنّى حزتم بعد البيان ، وأسررتم بعد الإعلان ، ونكصتم بعد الإقدام ، وأشركتم بعد الإيمان ، بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم ، وهمّوا بإخراج الرسول ، وهم بدؤوكم أوّل مرة ، أتخشونهم فاللّه أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين .
ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض ، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض ، وخلوتم بالدعة ، ونجوتم بالضيق من السعة ، فمججتم ما وعيتم ، ودسعتم الذي تسوّغتم ، فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعاً فإن اللّه لغني حميد .
ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة منّي بالخذلة التي خامرتكم ، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم ، ولكنّها فيضة النفس ، ونفثة الغيظ ، وخور القناة ، وبثّة الصدر ، وتقدمة الحجّة ، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر ، نقبة الخفّ ، باقية العار ، موسومة بغضب اللّه ، وشنار الأبد ، موصولة بنار اللّه الموقدة التي تطّلع على الأفئدة ، فبعين اللّه ما تفعلون ، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلب ينقلبون ، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد ، فاعملوا إنّا عاملون ، وانتظروا إنّا منتظرون .
فأجابها أبو بكر عبداللّه بن عثمان ، وقال : يا بنت رسول اللّه لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً رؤوفاً رحيماً ، وعلى الكافرين عذاباً أليماً ، وعقاباً عظيماً ، إن عزوناه وجدناه أباك دون النساء ، وأخا إلفك دون الأخلّاء ، آثره على كلّ حميم ، وساعده في كلّ أمر جسيم ، لا يحبّكم إلّا سعيد ، ولا يبغضكم إلّا شقي بعيد ، فأنتم عترة رسول اللّه الطيّبون الخيرة المنتجبون ، على الخير أدلّتنا ، وإلى الجنّة مسالكنا .
وأنت يا خيرة النساء وابنة خير الأنبياء صادقة في قولك ، سابقة في وفور عقلك ، غير مردودة عن حقّك ، ولا مصدودة عن صدقك ، واللّه ما عدوت رأي رسول اللّه ، ولا عملت إلّا بإذنه ، وإنّ الرائد لا يكذب أهله ، وإنّي أشهد اللّه وكفى به شهيداً ، أنّي سمعت رسولاللّه صلى الله عليه وآله يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة ، ولا داراً ولا عقاراً ، وإنّما نوّرث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة ، وما كان لنا من طعمة فلولي الأمر بعدنا أن يحكم فيه بحكمه ، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح ، يقاتل بها المسلمون ، ويجاهدون الكفّار ، ويجالدون المردة الفجّار ، وذلك بإجماع من المسلمين ، لم أنفرد به وحدي ، ولم أستبدّ بما كان الرأي عندي .
وهذه حالي ومالي هي لك وبين يديك ، لا نزوي عنك ، ولا ندّخر دونك ، وإنّك وأنت
المحدثون من آل أبي طالب ( ع ) — صفحة 318
مساهمون: السيد مهدي الرجائي
ص٣١٨