قال : فلمّا ظهر ولد العبّاس تغيّبا أيضاً ، فلم يأتيا أحداً منهم ، وسأل عنهما أبوالعبّاس ، فأخبره أبوهما عنهما بنحو ممّا قاله لهشام ، فكفّ أبوالعبّاس عنهما .
وكان عبداللَّه بن حسن من العبّاد ، وكان له شرف وعارضة وهيبة ، ولسان شديد ، وأدرك دولة بني العبّاس ، ووفد على أبيالعبّاس بالأنبار ، ثمّ رجع إلى المدينة ، فلمّا ولي المنصور حبس عبداللَّه بالمدينة لأجل ابنيه محمّد وإبراهيم عدّة سنين ، ثمّ نقله إلى الكوفة ، فحبسه بها حتّى مات .
ثمّ قال : قال محمّد بن حرب : قال عبداللَّه بن حسن بن حسن لابنه محمّد حين أراد الاختفاء من أبي جعفر المنصور : يا بنيّ إنّي مؤدّ إلى اللَّه حقّه عليّ في نصيحتك ، فأدّ إلى اللَّه حقّه عليك في الاستماع والقبول ، يا بنيّ كفّ الأذى ، وأفض الندى ، واستعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها ، فإنّ الصمت حسن على كلّ حال ، وللمرء ساعات يضرّ فيهنّ خطاؤه ولا ينفع صوابه ، واعلم أنّ من أعظم الخطأ العجلة قبل الامكان ، والأناة بعد الفرصة ، يا بنيّ احذر الجاهل وإن كان ناصحاً كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوّاً ، فيوشك الجاهل أن يورطك بمشورته في بعض اغترارك ، فيسبق إليك مكر العاقل ، وإيّاك ومعاداة الرجال ، فإنّها لا تعدمك مكر حليم أو مبادأة جاهل .
توفّي عبداللَّه بن حسن بن حسن سنة خمس وأربعين ومائة بالهاشمية في حبس المنصور ، وعبداللَّه يومئذ ابن اثنتين وسبعين سنة « 1 » .
وقال ابن الفوطي : ذكره الصولي في كتاب الأوراق ، وقال : هو ممّن اجتمعت له ولادة الحسن والحسين ، وكان يسمّى الكامل .
ومن كلامه : المراء يفسد الصداقة القديمة ، ويحلّ العقدة الوثيقة ، وأقلّ ما فيه أن يكون للمغالبة ، والمغالبة أبلغ الأسباب في القطيعة .
وله أشعار ، وحبسه المنصور مع بني عمّه وأهله ، وتوفّي في حبس المنصور سنة خمس وأربعين ومائة ، ودخل عيسى بن علي على المنصور ، فقال : يا أمير المؤمنين ما كنت أحبّ أن يموت شيخ بني هاشم هذه الميتة في هذا المكان ، فقال له المنصور : ما علمت أنّ
هامش
( 1 ) مختصر تاريخ دمشق 12 : 108 - 115 برقم : 76 .