معه لأمانات للناس مودوعة عنده ، ولزم عليه وقال : إذا تعب القوم فلا تعف عنهم ، كجدّك علي بن أبي طالب عليه السّلام يوم الجمل وصفّين ، اقتل مقبلهم وألحق به مدبرهم ، واجزر جريحهم ، ولا تدع على وجه الأرض منهم أحدا أبدا ، فانّ القوم ليس لهم في الاسلام نصيب ، وسيملكون كلّ قريب وبعيد .
ولم تزل العالم تأتي لمبايعته زمرا زمرا ، فبلغ ديوانه ، فاستولى على واسط والأهواز وفارس ، فبلغه خبر استشهاد أخيه ، فتوجّه إلى المسجد وهو مريض ، وصعد المنبر وخطب الناس ، وحمد اللّه وأثنى عليه ، وعرّفهم باستشهاد أخيه واستسرعهم بالخروج ، وقال هذه الأبيات :
سألتك بالبيض الصفاح وبالقنا * فانّ بها ما يدرك الطالب الوترا
ولست كمن يبكي أخاه بدمعة * يعصّرها من مقلتيه عصرا
وانّا أناس لا تفيض دموعنا * على هالك منّا وان قصم الظهرا
فكان ظهوره ليلة الاثنين غرّة شهر رمضان سنة ( 145 ) متأخّرا عن الوعد الذي بينه وبين أخيه لمرض معه ، فسار عليه عيسى بن موسى بن علي بن عبد اللّه بن العبّاس من المدينة ، فالتقيا باخمرا بالقرب من الكوفة ، فاحتربا حربا شديدا ، فانكسر عيسى وولّى منهزما ، فأمر إبراهيم عسكره أن لا يتبعوا المدبر ، فبينما هو بعسكره مطمئنّ الخاطر إذ أقبل عليه العسكر الفاجر . . . عابر بجبهته ، فحمد اللّه وأثنى عليه وقال : إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، وتوفّي منه لخمس بقين من شهر ذي القعدة وقيل : من ذي الحجّة سنة ( 145 ) وعمره ثمان وأربعون سنة ، فجزّوا رأسه ومضوا به إلى المنصور ، فوضع في طشت بين يديه ، فقال للحسن بن زيد بن الإمام الحسن السبط عليه السّلام : أتعرف هذا ؟ فأخذته العبرة وقال :
فتى كان يحمي من الظلم سيفه * وينجيه من دار الهوان اجتنابها