منصفا بالذلّة مع الضعفاء المهتدين ، رقّا للعلماء العاملين ، معتزّا بالعزيز على الكبراء المعتدين ، وبالفخر على الامراء المتمرّدين ، لا يرى الجود في مائدة العشاء والغداة ، بل النعمة الموجبة الموصلة للغنى « 1 » .
تولّى منصب النقابة بعد والده ، وبه نطقت صكوك بعض أملاكه ، ثمّ عزفت نفسه عنها ، فخلع ذاته المقدّسة منها تورّعا منه وزهدا ، وله بجدّه الحسن السبط عليه السّلام أسوة .
ثمّ انّه طاب ثراه اختار السفر بعد ترادف الأسواء عليه ، والاستخارة كما هو عادات العلماء الكبار والصلحاء الأخيار ، فجدّ عزمه لثاني شهر شعبان سنة ( 962 ) من المدينة قاصدا سلطان الدكن وأحمد آباد ، السلطان حسين نظام شاه بن برهان نظام شاه ، فأنعم عليه بأجزل النعم الجسام .
فرأى خاطره متشوّشا ، والقلب على فراق أبيه متألّما ، فرحل عنه إلى بلاد الفرس شيراز ، وقد عرف صفات أهلها وهواها يقرّ الخاطر ، ويسرّ الناظر إذا رآها ، أنهارها كثيرة ملحة ، وثمارها جيّدة لذيذة ، هواؤها غالب لاجلاب العلم ، ونضارتها تحدّ الكليل إلى الفهم ، وأهلها شعارهم التقوى والصلاح والزهد والورع والفلاح ، متّصفين بالعلم والعمل والفضل والكمال ، أقام بها مدّة مديدة مشتغلا بالعلوم الشريفة ، فاقتطف من أزهارهم أفضلها ، واغترف من فضائلهم أعذبها .
ثمّ توجّه إلى زيارة ثامن الأئمّة الأطهار علي بن موسى ، الضامن الفوز بالجنان والعتق من النار ، عليه وعلى آبائه صلوات اللّه العزيز الغفّار ، وقد عرف محاسن جيرانه المتمسّكين بعرائه ، هو أنّ الزائر لم يزل مكفوّ المؤونة مدّة اقامته ، فإذا عزم أمدّوه بما يليق بحاله .
وفي شهر ذي القعدة سنة ( 964 ) قابل السلطان الأعظم ، السيّد الحسيب
هامش
( 1 ) ووصفه السيّد علي صدر الدين المدني في سلافة العصر ص 249 - 250 بأوصاف جميلة جليلة ، وذكر أيضا نبذة من أشعاره الفائقة ، فراجع .