تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الرسائل الرجالية — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
والوحوش ، وعلّمني منطق الطير ، وآتاني من كلّ شيء ، ومع جميع ما أوتيت من الملك ما تمّ سروري يوماً إلى الليل ، وقد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه فانظر إلى ممالكي ، فلا تأذنوا لأحد عليّ لئلّا يرد عليّ ما ينغص عليّ يومي ، فقالوا : نعم . فلمّا كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره ، ووقف متّكئاً على عصاه ينظر إلى ممالكه مسروراً بما أوتي فرحاً بما أعطي ، إذ نظر إلى شابّ حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره ، فلمّا بصر به سليمان ، قال له : من أدخلك إلى هذا القصر ؟ وقد أردت أن أخلو فيه اليوم ، وباذن من دخلت ؟ قال الشابّ : أدخلني هذا القصر ربّه وباذنه دخلت ، فقال : ربّه أحقّ به منّي ، فمن أنت ؟ قال : أنا ملك الموت ، قال : وفيما جئت ؟ قال : جئت لأقبض روحك ، قال : امض لما أمرت به ، فهذا سروري ، أبى اللَّه عزّوجلّ أن يكون لي سرور دون لقائه . فقبض ملك الموت روحه وهو متّكىء على عصاه ، فبقي سليمان متّكئاً على عصاه وهو ميّت ما شاء اللَّه ، والناس ينظرون اليه وهم يقدرون أنّه حيّ ، فافتتنوا فيه واختلفوا ، فمنهم قال : انّ سليمان قد بقي متّكئاً على عصاه هذه الأيّام الكثيرة ولن يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب ، انّه لربّنا الذي يجب علينا أن نعبده . وقال : قوم : انّ سليمان ساحر وانّه يرينا أنّه واقف متّكىء على عصاه يسحر أعيننا وليس كذلك . وقال المؤمنون : انّ سليمان هو عبد اللَّه ونبيّه يدبّر اللَّه أمره بما شاء . فلمّا اختلفوا بعث اللَّه عزّوجلّ الأرضة ، فدبّت في عصاة سليمان ، فلمّا أكلت جوفها انكسرت العصاة وخرّ سليمان من قصره على وجهه ، فشكرت الجنّ للُارضة صنيعتها ، فلأجل ذلك لا توجد الأرضة الّا وعندها ماء وطين ، وذلك قول اللَّه عزّوجلّ
« فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ »
يعني : عصاه
« فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي