وكاتب أبا محمّد المهلّبي « 1 » في ذلك ، فسأل عنه شيوخ الديلم والمرابدة « 2 » ووجوه الفرس ، حتّى حقّقوه وحرّروه وصحّحوه .
وزعم أنّ ضياع أنساب الفرس ، ليس هو لأجل هو ان علمها وضبطها عندهم ، واهمالهم لما تراعيه الجلّة من مآثرها ومفاخرها ، ولكن اعترضتهم حدوث دولة وفتنة وملّة - يعني : ملّة الاسلام - فأجهلت شرفهم ، وقطعت اتّصالهم ، وشغلتهم عن مراعاة أنسابهم فضاعت .
ولعمري أنّ اعتراض الفتن ، وحدوث الحوادث العظام ، لكما زعم أبو إسحاق في اهمال الذكر ، وصرف العناية عن حراسة أسباب الفخر ، ولكن لو كانت الأنساب عندهم مرعيّة ، لما شغلتهم عنها الحوادث .
ألا ترى أنّ العرب اعترضتهم أيضا في زماننا دولة أهملت شرفهم ، ونقلت الملك عنهم ، وشرّدتهم كلّ مشرّد ، ومزّقتهم كلّ ممزّق « 3 » ، وهم مع ذلك حافظون لأنسابهم ، مراعون لأعقابهم .
وأنّك لترى البدويّ منهم ذاهبا خلف ثلّة من الضأن ترعاها ، إذا خاطبته وجدته أحمق الناس وأجهلهم بكلّ شيء ، وهو مع ذلك يعرف قبيلته وبطنه وفخذه ، وربّما رفع نسبه إلى الجدّ الأعلى .
وأمّا أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، فضبطوا أنسابهم بعض الضبط . بلغني
هامش
( 1 ) هو أبو محمّد الوزير الحسن بن محمّد بن هارون ، ينتهي إلى المهلّب بن أبي صفرة الأزدي ، كان وزيرا لمعزّ الدولة الديلمي ، وكان شيعيّا اماميّا ، وكان من ارتفاع القدر واتّساع الصدر ، وعلوّ الهمّة ، وفيض الكف ، ما هو مشهور به ، وكان غاية في الأدب والمحبّة لأهله ، توفّي سنة ( 352 ) .
( 2 ) في « ح » : المؤابذة .
( 3 ) إشارة إلى هجوم التتار والمغول على بغداد ، وانقراض الدولة العبّاسيّة على أيدهم ، وغلبت العباد ، وقهرت الدول ، وأخذت السبل ، واستولت على الممالك والمسالك .