« اشترى أمير المؤمنين عليه السلام ما بين النجف إلى الحيرة إلى الكوفة من الدهاقين « 1 » ، بأربعين ألف درهمٍ ، وأشهد على شرائه .
فقيل له في ذلك ؛ فقال : سمعتُ رَسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول :
كُوفان ؛ كوفان ، يردُّ أوّلها على آخرها ، يُحْشَرُ مِنْ ظَهرها سبعون ألفاً ، يدخلون الجنّة بغير حساب ، واشتهيتُ أن يُحشروا مِنْ ملكي .
أقول : هذا الحديث فيه إيناسٌ بما نحن بصدده ؛ وذلك أنّ في ذكره « ظَهْرُ الكوفة » إشارةٌ إلى ما خرج عن الخندق « 2 » ، ولأنّه اشترى ما خرج عن الكوفة الممصّرة ليُدفَن في مُلْكه ، ويُدْفَن الناس عنده ، وكيفَ يُدفنُ بالجامع ولا يجوز ، أو بالقصر وهو عمارة الظَّلمة ؟ !
3 . وعن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : لمّا أصيب أمير المؤمنين عليه السلام قال للحَسن والحُسين عليهما السلام :
غَسّلاني وكفّناني وحنّطاني ، واحملاني على سريري ، واحملا مؤخّره تكفيان مُقدّمه ؛ فإنّكما تنتهيان إلى قبرٍ محفورٍ ، ولحدٍ ملحود ، ولَبَن موضوعٍ ، فألحداني وأشرجا « 3 » عَليَّ اللِّبن ، وارفعا لبنةً ممّا عند رأسي ، وانظرا ما تسمعان .
فأخذا اللبنة من عند الرأس ، بعد ما أشْرَجا عليه اللبن ، فإذا ليس في القبر شيءٌ ، وإذا هاتفٌ يقول : أمير المؤمنين كانَ عبداً صالحاً فألحَقَه اللَّه بنبيّه ، وكذلك يُفعل بالأوصياء بعد الأنبياء ، حتّى لو أنّ نبيّاً ماتَ في المشرق ، ومات وصيّه في المغرب ، ألحق اللَّه الوصيّ بالنبيّ .
ورُوي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام أمر ابنه الحسن عليه السلام أن يَحفر له أربع قبور : في المسجد ، وفي الرَّحبة « 4 » ، وفي الغريّ ، وفي دار جَعْدة بن هُبيرة ؛ « 5 » إنّما أراد بهذا إخفاء قبره .
هامش
( 1 ) . الدهاقين : جمع دهقان ، كلمة فارسيّة معرّبة ، يطلق على رئيس القرية ، وعلى من له مالٌ وعقار .
( 2 ) . أي أنّ الشراء تشمل الأراضي الخارجة عن الخندق .
( 3 ) . شَرَّجتُ اللّبن ( بالتشديد ) : نضدتُهُ ، وهو ضمّ بعضه إلى بعض .
( 4 ) . الرحبة : قرية بحذاء القادسية على مرحلة من الكوفة ، على يسار الحجّاج إذا أرادوا مكّة ، وفيها كان يقضي عليه السلام ، وفيها ناشد الناس على يوم الغدير ، وقيل إنّه دُفن عليه السلام فيها .
( 5 ) . جعدة بن هبيرة بن أبي وهب المخزومي ، ابن أخت أمير المؤمنين عليه السلام ، وامّه امّ هانئ بنت أبي طالب واسمها فاختة ، وقد سكن أمير المؤمنين عليه السلام عند نزوله الكوفة داره ، وهي لازالت باقية إلى اليوم في الجنوب الغربي من جدار مسجد الكوفة ، ويتبرّك الناس بزيارته .