ويدلّ على الثاني : ما رُوي أنّ صاحب شَرَطة الحَجّاج حَفَر حفيراً في الرَّحبة ، فاستخرج منه شيخاً أبيض الرأس واللِّحية ، وقال : هذا عليّ بن أبي طالبٍ . وكتبَ إلى الحَجّاج بذلك .
فكتب إليه الحَجّاج : كذِبتَ ؛ أعِد الرجل مكانه ؛ فإنّ الحَسَن حَمَل أباه لمّا خَرَج إلى المدينة . « 1 »
وهذا غَيرُ صحيحٍ منه ؛ لأنّ نبش الميّت لا يجوزُ ، فكيفَ يفعلُ ما لا يجوز ؟ ! وهذا كافٍ في بطلان قوله ، ولو ترجَّح في خاطره أنّه هو لأظهر المخبيّات .
فلا اعتبار به ، ولا بما ورد من أمثاله أنّه في قصر الإمارة ، ولا أنّه في الرُّحبة في ما يلي أبواب كِنْده « 2 » ، ولا أنّه بالبقيع ، ولا أنّه بالخيف « 3 » ، ولا أنّه بمشهد كوخ زادوه قريباً من النعمانية ، « 4 » ولا أنّ طيّاً نبشوه فتوهّموه مالًا ؛ لأنّها أقوالٌ مبنيّةٌ على الرَّجم بالغيب .
والذي بنى مشهد الكوخ ، الحاجب شباشي مولى شرف الدولة ابن عضد الدولة .
قال هشام بن الكلبي ، قال :
إنّي أدركتُ بني أوَدٍ وهم يُعلّمون أبناءهم وحُرَمهم سبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، وفيهم رجلٌ دَخَل على الحجّاج ، وكلّمه بكلامٍ ، فأغلظ له في الجواب .
فقال : لا تقل هذا أيّها الأمير ؛ فما لقريشٍ ولا لثقيفٍ منقبةٌ يعتدّون بمثلها إلّاونحن نعتدُّ بمثلها . قال : وما مناقبكم ؟
قال : ما يُنقَصُ عثمان ولا يُذْكَر بسوءٍ في نادينا قطّ . قال : هذه منقبة .
قال : ولا رُؤي منّا خارجيٌّ . قال : منقبة .
قال : وما شَهِد منّا مع أبي ترابٍ مشاهده إلّارجلٌ ، فأسقطه ذلك عندنا . قال :
منقبةٌ .
قال : وما أراد رجلٌ منّا قطّ أن يتزوّج امرأةً ، إلّاسأل عنها : هل تُحبُّ أبا ترابٍ أو
هامش
( 1 ) . أي عندما عاد الإمام الحسن عليه السلام إلى المدينة بعد صلحه مع معاوية ، حمل معه إليها جثمان أبيه .
( 2 ) . الأبواب المسجد التي كانت شارعة إلى جهة الغرب التي كانت تسكن فيها قبيلة كنده كانت تسمّى بأبواب كنده .
( 3 ) . مسجد الخيف بمنى .
( 4 ) . هي مدينة لا زالت عامرة بأهلها المؤمنين تقع شمال مدينة واسط .