الصالحات ؛ فإنّه لا يتقيَّد بطاقته ووسعه ، فإنّه ينوي منها ما يقدر عليه في الحال وينوي ما لا يقدر عليه أيضاً على تقدير حدوث قدرته عليه في المستقبل كما ينوي أن يعتق عبداً أو عبيداً ، أو يتصدّق بمال كثير وهو لا يملك شيئاً في الحال ، وكما ينوي أنّه يحجُّ ماشياً أو يصلِّي كلَّ يوم كذا وكذا ركعةً من النافلة قائماً وهو مريض في الحال لا يقدر على القيام ، وما أشبه ذلك .
وقيل : إنّما كانت نية المؤمن خيراً من عمله لأنّه لا يدخل فيها الرياء ، بل كلُّها إخلاص ؛ لأنّها سرّ بين اللَّه تعالى والعبد ، ولا يطَّلع عليها إلَّااللَّه ، بخلاف العمل « 1 » .
هامش
( 1 ) . راجع : فقه الرضا ، ص 379 ورسائل الشريف المرتضى ، ج 3 ، ص 232 - 240 ، في المسألة ( 41 ) تحقيقاً حول قول النبيِّ صلى الله عليه وآله : نية المؤمن خير من عمله ، فقال :
جرى بالحضرة السامية الوزيرية العادلة المنصورة - أعلى اللَّه شأنها ومكانها وأدام سلطانها - في بعض الكلام فيما روي عن النبي صلى الله عليه وآله من قوله : نية المؤمن خير من عمله . فقال : إنّ على هذا الخبر سؤالًا قويّاً ، وهو أن يقال : إذا كان الفعل إنما يوصف بأنّه خير من غيره ، إذا كان ثوابه أكثر من ثوابه ، فكيف يجوز أن يكون النية خيراً من العمل ؟ ، ومعلوم أنّ النيّة أخفض ثواباً من العمل ، وأنه لا يجوز أن يلحق ثواب النية بثواب العمل . ولهذا قال أبو هاشم : إنّ العزم لابدّ أن يكون دون المعزوم عليه في ثواب وعقاب ، وردّ على أبي علي قوله : إنّ العزم على الكفر يجب أن يكون كفراً ، والعزم على الكبير لابدّ أن يكون كبيراً ؛ بأن قال له : لا يجب أن يساوي العزم والمعزوم عليه في ثواب ولا عقاب . فإن كان هاهنا دليل سمعي يدلّ على أن العزم على الكفر كفر ، والعزم على الكبير كبير ، صرنا إليه ، إلّاأنه لابدّ مع ذلك من أن يكون عقاب العزم دون عقاب المعزوم عليه ، وإن اجتمعا في الكفر والكبير .
ووقع من بالحضرة السامية العادلة المنصورة من التقرير كذلك والخوض فيه كل دقيق غريب مستفاد ، وهذه عادتها جرى اللَّه تعالى نعمتها في كل فن من فنون العلم والأدب ؛ لأنها ينتهي من التحقيق والتدقيق إلى غاية من لا يحسن إلّاذلك الفن ولا يقوم إلّابذلك النوع .
وقال بعض من حضر : قد قيل في تأويل هذا الخبر وجهان حسنان .
فقلت له : اذكرهما ؛ فربما كان الذي عندي فيه مما استخرجته .
فقال : أحدهما : يجوز أن يكون المعنى : إنّ نية المؤمن خير من عمله العاري من نية .
فقلت : لفظة أفعل لا يدخل إلا بين شيئين قد اشتركا في الصفة ، وزاد أحدهما فيها على الآخر . ولهذا لا يقول أحد : إن العسل أحلى من الخل ، ولا أنّ النبيّ أفضل من المتنبي ، والعمل إذا عري