والسير واحد ، وهو قطع المسافة . عاقبة كلِّ شيءٍ : آخره . « الصحيفة » : الكتاب ، و « الأجل » : مدَّة الحياة .
والمراد بطيّ صحائف الآجال : نفاد الأعمار وفراغها ، فعند مشاهدة الموت يتبيّن للإنسان عاقبة عمله ، أنّه خير أو شرٌّ . « الفاسق » : الخارج عن الطاعة ، وقيل : المراد به في الحديث : المنافق .
قوله :
نيّة المؤمن خير من عمله
، قيل : ليس المراد به أنّ نيّته للعمل الصالح خير من ذلك العمل لو فعله مقروناً بالنيّة ، بل مراده أن نيّته الصالحة المجرَّدة عن العمل خير من عمله المجرَّد عن النيّة ، كقوله تعالى :
« لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ »
« 1 » معناه : خير من ألف شهر ليس فيها ليلة القدر ؛ لأنّ الشيء لا يكون خيراً من نفسه ، ولا من عدّة أمثاله معه .
وقيل : المراد به : إذا عمل عملًا صالحاً مقروناً بالنيّة واجتمعا ، كانت النيّة في الفضيلة والشرف خيراً من العمل ، كما يتركّب الشيء من جزءين مفردين ، أحدهما أشرف من الآخر ، كتركّب السكنجبين من السكَّر والخلّ ، وتركب الإنسان من الجسم والروح ، أو من الحيوانية والنطق ، وإنّما كانت النيّة أشرف الجزءين لأنّها روح العمل وهو جسمها .
وقيل : إنّما كانت نيّة المؤمن خيراً من عمله ؛ لأنّها تحتمل التعدُّد والكثرة في العمل الواحد ، فيتضاعف أجر العمل بقدر عدد النيّات ، فيتضاعف الأجر فيه ، ومثل ذلك لا يتأتّى في العمل ، مثاله : من جلس في المسجد بنيّة الاعتكاف ، ونيّة انتظار الصلاة ، ونية الخلوة والعزلة عن شواغل القلب ، ونية زيارة بيت اللَّه تعالى ، ونية حفظ الجوارح من المعاصي ؛ تعظيماً لبيت اللَّه تعالى وحياء منه ، فإنّه لا يكون كمن جلس بإحدى هذه النيّات الخمس .
وقيل : إنّما كانت نية المؤمن خيراً من عمله لأنّ عمله مقيَّد بطاقته ووسعه ؛ فإنّه لا يقدر أن يعمل من الأعمال الصالحة إلّاما يطيقه ، بخلاف نيّته للخيرات والأعمال
هامش
( 1 ) . سورة القدر ، الآية 3 .