ثم لم يقنع كميل بمرتبة حق اليقين ، والتمس منه حقيقة حق اليقين ، فأجاب عليه السلام :
نُورٌ يَشْرقُ مِنْ صُبْحِ الْأَزلِ ، فَيَلُوح عَلى هَياكِلِ التَّوْحيدِ آثارُه
. يعني : مَن ينفي الاثنينية ، ويتمكن من التوحيد الحقيقي ، ولم يَرَ في الوجود سوى اللَّه المعبود ، تجلّى عليه الحق بصفاته الذاتيّة ، وعند ذلك يكون عبداً ربانيّاً ، وإن كان بين الخلق يكون مع الحق والحق معه ؛ فبالحق يسمع ، وبه يبصر ، وبه ينطق ، وبه يبطش ؛ كما ورد في الحديث :
لا يزال العبد يتقرب الىّ بالنوافل حتى أحبَبتُه ، فإذا أحبَبتُه كنتُ له سمعاً وبصراً ولساناً ويداً ، فبي « 1 » يسمع ، وبي يبصر ، وبي ينطق ، وبي يبطش « 2 »
. وقوله عليه السلام :
نُورٌ يَشْرُقُ مِنْ صُبْحِ الْأَزلِ ، فَيَلُوح عَلى هَياكِلِ التَّوْحيدِ آثارُه
، إشارة إلى هذا .
فالنور الذي يشرق من صبح الأزل هو كناية عن الحقيقة ، وهياكل التوحيد عن السُلّاك الواصلين إلى الحق المشرقين / ص 347 / بتجلّي الصفات الذاتية .
ولفظ « آثاره » إشارة إلى أنه لا يكون نور الحقيقة على الدوام ، بل يكون آثاره متجلية عليهم بالدوام .
ثم جاوز كميل حدّ المعرفة ، وكاد يشرع في مقامٍ لو طار طائر لاحترق جناحه . ولمّا سأل الزيادة عن هذه المرتبة التي هي مرتبة الوصول ، أجاب عليه السلام عنه :
أَطْفِ السِّراجَ ؛ فإنَّ الصُّبْحَ قَدْ طَلَعَ
، ومنع عن هذا .
واعلم أنّ هذه المرتبة آخر مراتب الكمال والسلوك ، و « ليس وراء عبّادان قرية » ، وهي مرتبة الوصول ، ولهذه المرتبة بداية ووسط ونهاية ؛ فالنهاية لمحمدٍ صلى الله عليه وآله ، والوسط لعليٍّ عليه السلام ، والبداية لمريديه ومتّبعي آثاره على وجه الشريعة والطريقة ، حذو النعل بالنعل والقُذَّة بالقذَّة ، نيابة عنه .
فالمريد يأخذ المعارف والحقائق من الوليّ والوليّ يأخذ من النبيّ والنبيّ يأخذ من الحقّ . وهذه المرتبة العليّة موجودة لُامّة محمد صلى الله عليه وآله ، ولذا كانوا خير الأمم ، وتمنّى
هامش
( 1 ) . في الأصل : وبي .
( 2 ) . ورد صدر الرواية في عوالي اللئالي ، ابن أبي جمهور الأحسائي ، ج 4 ، ص 103 ؛ الجواهر السنية ، شيخ حر العاملي ، ص 121 .
وذيله في : بحار الأنوار ، ج 5 ، ص 207 .