أقول : إنّ هذا السؤال عن كشف الحقيقة ، والحقيقةُ كلّ ، والكلّ الأصل ، وما سواه الجزء والفرع ، وكيف يَبحث عنها أحد ؟ وكلّ ما قيل « إنّه حقيقة » فالحقيقة بخلافه .
كما قال الأمير عليه السلام : « كلّ ما خَطَرَ ببالك أو تصوّر بخيالك فاللَّه تعالى بخلافه » .
ولا يمكن الجواب عن كشف الحقيقة إلّا من آثارها على طريق الرمز والإشارة ؛ كما قال عليه السلام :
الْحَقيقَةُ كشفُ سُبحاتِ الْجَلالِ مِنْ غَيْرِ إشارَةٍ
؛ وذلك لأنّ اللَّه تعالى محجوب بصفاته ، وصفاته الجلالية تتعلّق بذاته ، وصفاته الجمالية تتعلّق بأفعاله ، فالسالك الطالب للحق إذا سلك بَنادر الجسمانية ، وعبر عن البحار الروحانية ، وصل إلى صفات الجمال ، ثم إلى صفات الجلال ، فإذا تجاوزها تجلّى له الحقيقة .
وقوله عليه السلام :
مِنْ غَيْرِ إشارَةٍ
، إشارة إلى أنّ اللَّه تعالى منزَّه عن أنْ يكون مشاراً إليه ، أو يكون له حدّ ونهاية ؛ لأنّ هذه الأوصاف من أوصاف الحادث ، وأنّ قوله نادٍ بخلاف ذلك . ثم إنّ السؤال كان في مهية الحقيقة ، والجواب ليس في مهيتها بل من آثارها ، وهذا شرط الأدب / ص 345 / وكمال المعرفة ؛ كما سأل فرعون :
« وَما رَبُّ الْعالَمِينَ »
« 1 » .
فأجابَ موسى عليه السلام :
« رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ »
« 2 » اى كنتم عارفين بأنّ الجواب ليس الا هذا .
ثم قال كميل : زدني وهو في عين السلوك ، يريد الوصول الذي هو نهاية مراتب السالكين ، فأجاب عليه السلام بما أجاب ، وهو إشارة إلى مرتبة اليقين المجرّد ، ولم يقنع كميل بذلك ، والتمس مرتبة عين اليقين ، فأجاب عليه السلام عنه ثانياً بقوله عليه السلام :
مَحْوُ الْمَوْهُوم مَعَ صَحْوِ الْمَعْلُوم
؛ لأنّ الحقيقة إذا كَشَفَ عن صفات الجلال التي تتعلق بالذات ، وأدرك أثَرَه السالك ، انمحى وزال عنه شكُّه وظنُّه ، وشاهَدَ آثار الحقيقة بنور علم اليقين .
ثم لم يقنع بمرتبة علم اليقين ، والتمس منه عليه السلام مرتبة عين اليقين .
فأجاب عليه السلام بأنّها :
هَتْكُ السِّتْرِ عند غَلَبَةِ السِّرّ
؛ وذلك لأنّ السالك إذا محى مظنونات وَهْمِه عند انكشاف سبحات الجلال عن الحقيقة ، يصحو « 3 » له العلوم ، ويعلم بعد علم
هامش
( 1 ) . سورة الشعراء ، الآية 22 .
( 2 ) . سورة الشعراء ، الآية 23 .
( 3 ) . في الأصل : فيصحر .