اليقين علامات الحقيقة ، ويسكر السالك من شراب الوجد ، ويلبس عقله ، ويهتك الستر عليه - وهو حواس الشرع والعقل - فعند ذلك يأخذ في الشطحيات والكلمات التي لا يجوز التكلم بها في الشرع ، كما روي عن أبي يزيد : « سبحاني ما أعظم شأني » « 1 » .
وعن المنصور : « أنا الحق » « 2 » ، وعن أبي سعيد : « ليس في جُبّتي إلّااللَّه » « 3 »
، وأمثالها .
فإنْ كانوا محفوظين بالعناية الأزلية ، واظَبوا في هذا السكر على الفرائض والسنن عند دخول أوانها ، وإنْ لم يكونوا محفوظين يجري عليهم أحوال وأمور خارجة عن الشرع والعقل ، [ و ] يكفّرهم أهل الظاهر و [ يعتقدون ] زندقتهم . فإذا فارقوا من سكرهم اعتذروا بما جرى عليهم في حال السكر من الشطحيات وأمثالها ، ونصحوا لمريديهم أن لا يقولوا مثل ذلك . وأينَ ربّ / ص 346 / الأرباب ( ؟ ) تب علىّ إنك أنت التواب ، أينَ العبوديّة من الربوبيّة ! وأينَ المخلوقيّة من الخالقيّة !
ثم لم يقنع كميل بمرتبة عين اليقين ، والتمس مرتبة حق اليقين ، فأجاب عليه السلام :
جَذْبُ الأَحَدِيَّةِ بِصِفَةِ التَّوْحيد
. معناه : أنّ مَن هَتَكَ ستره من غلبة السرور ، وسكر من شراب الوجد الحقيقي ، ثم نفر من سكره ، ويجلس على سرير الصحو ، ويعلم أن ليس في الوجود إلّااللَّه ، وينتفي الاثنينية بالكلية ، تمكّن من التوحيد الحقيقي وهو أن لا يرى في الوجود إلا الواحد الحق ، مع وجود كثرة المكوّنات ، ويعلم أنّ الآثار مظاهر أفعاله ، والأفعال مظاهر صفاته ثابتات لذاته ، وهذه « 4 » مرتبة عالية في مرتبة علم التوحيد .
وما لم يصل السالك إلى هذه المقام لا يدرك قوله وأمره ، كالصبيّ الذي لا يدرك ذوق البلوغ وإن كثر الإخبار عنه .
هامش
( 1 ) . نسبت هذه الكلمة إلى أبي يزيد البسطامي ( م 261 ق ) ، وقد تصدّى لشرحه وتوجيهه الشيخ روزبهان البقلي الشيرازي في كتابه شرح الشطحيات ، فراجع .
( 2 ) . حسين بن منصور الحلاج ، الذي قتل في سنة 309 ق ، بسبب تكفيره .
( 3 ) . هذه الكلمة نسبت إلى الشيخ أبي سعيد أبي الخير ( م 440 ق ) ، وجمع حفيده أحواله وكلماته في كتاب أسرار التوحيد . ومن مكتوباته إلى ابن سينا :قطعنا الاخوة عن معشر * بهم مرض من كتاب الشفا
فماتوا على دين رسطاليس * وعشنا على سنة المصطفى( 4 ) . في الأصل : هذا .