وَبِنُورِكَ الَّذِي قَدْ خَرَّ مِنْ فَزَعِهِ طُورُ سَيْناء : كثيراً ما يطلَق النور على ما بيّن الأشياء ، [ وعلى ] ما ينسب للخير ، وعلى ما يتوسّل به إلى المطالب الحقّة - ومن ثمّة يطلق على اللَّه تعالى في لسان الشرع وألسنة الحكماء ، حتّى قيل : إنّه نور الأنوار ؛ لأنّه يصدر منه الأنوار كلّها - وعلى الاسم الأعظم ، وعلى غيره من أسمائه عز وجل ، وعلى ما هي مباديه من الخيرات ، وقد يطلق ويراد به أيضاً ، « 1 » وقد يطلق ويراد به الوجود ؛ فإنّه الظاهر والمظهر لغيره ، كما أنّ الظُّلمة / 80 / يطلق على ما يقابل المعنيين ، وهو ظلّ الأرض أو جزء منها .
وَبِعِلمِكَ : أي بإحاطة علمك بالأشياء كلّها ، وهو بنفس ذاته الحقّة الّتي هي العلّة الفاعلة التامّة لنظام الوجود برطبه ويابسه ؛ فإنّ لعلمه تعالى مراتب .
قال جدّنا صدر العرفاء :
إنّ أوّل مراتبه العلم الواجبي الوحداني بجميع الأشياء الّذي أعلى مراتب علمه وهو عين ذاته تعالى ، وبعده العلم العقلي الكلي الإجمالي المشتمل على سائر العلوم التفصيليّة ، ثمّ العلم النفساني الكلّي التفصيلي الفائض من العلم الأعلى على لوح النفس الكُلّي وألواح سائر النفوس الناطقة الكلّية المحفوظة من النسخ والتغيير وهي امّ الكتاب ، ثمّ العلوم النفساني القدري القابل للمحو والإثبات والنسخ والتبديل ؛ لقوله تعالى :
« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »
« 2 » . وآخر منازل علمه هو الموجودات الجسمانية وصورها المنقوشة على لوح الهيولي الّتي فيها كتب الأعمال والآجال ؛ لقوله : « لكلّ أجل كتاب » « 3 » أشير إليها بقوله :
« وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ »
« 4 » وفيها يكتب أيضاً كتب الفجّار المستوجب لأن يحرق كتبهم في النار ؛ لقوله :
« إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ »
« 5 » . انتهت عبارته .
أمّا علمه سبحانه بذاته فهو مقارن لذاته بل هو ذاته ، ولاينقسم لأنّه عين ذاته ، كما أنّ علمه بالكلّ صفة لذاته ، وفيها الكثرة الغير المتناهية فلا كثرة بل بعد ذاته
« وَما تَسْقُطُ
هامش
( 1 ) . كذا في النسخة .
( 2 ) . سورة الرعد ، الآية 39 .
( 3 ) . سورة الرعد ، الآية 38 .
( 4 ) . سورة الأنعام ، الآية 59 .
( 5 ) . سورة المطففين ، الآية 7 .