والمنّ بمعنى الإعطاء لا من المنّة ، وقوله : « جميع خلقك » تأكيد للشمول ومعنى [ ه ] : وبالوجود الفائض منك على جميع الخلق كلاماً يليق به ويصلح أمره ، فذكر الرحمة ينطوي على فائدة عظيمة في تفصيل مجاري الرحمة الّتي وسعت كلّ شيء بأصنافه وأنواعه من المؤمن والكافر في الدنيا ، وأمّا في الآخرة فهي للمؤمن خاصّةً ، كما قال جلّ شأنه :
« وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ »
« 1 » .
وَبِاستِطاعَتِكَ الَّتي أَقَمْتَ بِهَا الْعَالَمُونَ : « 2 » قيل : يعني بقدرتك الّتي قوَّمتَ بها وجود العالمين وماهيّاتهم ، وقيل : أي صوّرتهم وأحسنت نظامهم .
أقول : ويجوز أن يراد بالإقامة الإدامة والإبقاء ، ويكون فيه دلالة على / 79 / احتياج الباقي في البقاء إلى علّة مبقية ، ويجوز أن يراد بها قيامه سبحانه بأمور العالم وإعطاء حقوقهم وتدبيرهم بجميع أحواله ، مِن « قام به الأمر وأقام » إذا جاء معطى حقوقهم .
والعالَم : ما يُعلَم به الشيء كالخاتم ، غلب في ما يُعلم به الصانع ، وهو كلّ ما سواه من الجواهر والأعراض ، وإنّما جُمع ليشمل ما تحته من الأجناس ، وغلب العقلاء منهم فجمعُه بالواو والنون ، فالمراد بالعالَمون « 3 » - بفتح اللام - أصناف الخلق ؛ كلّ صنف منهم « عالَم » جمع لا واحد له من لفظه . وذهب أكثر المتكلّمين إلى أنّ العالم إنّما هو الجسماني المنحصر في الفلك العلوي والعنصري السفلي .
وعن بعض العارفين :
العالم المصنوع اثنان : عالم المادّيات ، وعالم المجرّدات ؛ والكائن في الأوّل هو « 4 » الجسم والفلك والفلكيات والعنصر والعنصريات والعوارض اللازمة [ له ] ، وفي الثاني هم الملائكة المسمّاة بالملإ الأعلى ، والعقول ، والنفوس الفلكية ، والأرواح البشريّة المسمّاة بالنفوس الناطقة . « 5 »
هامش
( 1 ) . المصدر السابق .
( 2 ) . كذا في النسخة ، وجاء في حاشيتها : « على العالمين » خ ل .
( 3 ) . جاء في حاشية النسخة : العجب من الشارح حيث قرر في شرحه وبيانه « العالمين » مفعولًا لقوله « أقمت » ، وقال مجمعه بالواو والنون ! لمحرره .
( 4 ) . كذا في مجمع البحرين ، وفي النسخة : في .
( 5 ) . مجمع البحرين ، ج 3 ، ص 235 .