الإضمار قصد التعظيم وشدّة الاهتمام بإظهار غلبته الذاتية على الذوات الممكنة ، فلا تكرُّر فيه ؛ إذ حدّ المكرّر ما لاينطوي على مزيد فائدة ، والتفضيل فيهما باعتبار تقدير الفعل وفرضه في المفضّل عليه .
وبالجملة تفضيل ذاته وصفاته وأفعاله تعالى على الغير في أمثال هذه العبارات بالنظر إلى عادة الناس وضعف عقولهم ؛ حيث يثبتون أصل تلك الصفات والأفعال في الجملة لغيره أيضاً . [ و ] حثّهم على الرجوع إليه بأنّه أكمل وأعزُّ فيها من غيره ؛ لأنّ النفس إلى الأكمل أرغب ، وإلّا فلا نسبة بين الخالق والمخلوق ، ولا بين صفته وفعله وبين صفتهم وفعلهم ، حتّى يجري فيها معنى التفضيل .
الَّذي عَنَتْ لَهُ الوُجُوه : أي خضعت وذلّت ، واللام للاختصاص ؛ قال اللَّه تعالى :
« وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ »
« 1 » . وقيل : المراد بالوُجُوه هنا الرؤساء والملوك .
وَخَضَعَتْ لَهُ الرِّقابُ : الخضوع هو اللين والانقياد ، / 23 / واللام في الرقاب عوض عن المضاف إليه ، أي رقاب الجبابرة أو رُؤساء الكفّار ، وأصل الرقبة العنق ، فجُعلتْ كناية عن ذات الإنسان تسميةً للشيء باسم بعضه ، فإذا قال : « أعتِق رقبة » فكأنّه قال : أعتِق عبد اً أو أمة ، ويطلَق على المملوك كما يطلق الرأس والظهر على المركوب ؛ قال اللَّه تعالى :
« فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ »
« 2 » .
وَخَشَعَتْ لَهُ الأصْواتُ : أي خفضت من شدّة الفزع وخفيت ؛ قال اللَّه تعالى :
« وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً » /
« 3 » ، والفرق بين الخشوع والخضوع أنّ الخشوع في البدن والصوت ، والخضوع في البدن .
وَوَجِلَتْ لَهُ القُلُوبُ مِنْ مَخافَتِك : الجار والمجرور متعلّق بوجلت ، أي لأجل مخافة قهرك أو هيبةٍ منك ؛ لإشراق أشعّة جلالك .
قيل : معنى « مخافتك » تخويفك إيّاها ؛ لأنّه مصدر ميمي بمعنى الخوف ، من قولك
هامش
( 1 ) . سورة طه ، الآية 111 .
( 2 ) . سورة الشعراء ، الآية 4 .
( 3 ) . سورة طه ، الآية 108 .