في الجواهر ، المراد به النية الشرعية التي يمكن إيقاع الفعل بدونها ، المعبَّر عنها تارةً بقصد القربة وتارةً بالإخلاص ، ولا يقع الفعل مجزياً ولا معتبراً عند الشارع إلّابها ، كما أوضحته في ذلك الكتاب وفي المسائل الحسينية ، ولابد أن أذكر هنا حديثاً واحداً ذكرته في كتابي الأربعين ، وهو ما رواه ثقة الإسلام في الكافي عن الصادق عليه السلام في قول اللَّه عز وجل :
« لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا »
« 1 » قال : ليس يعني أكثركم عملًا ، ولكن أصوبكم عملًا ، وإنما الإصابة خشية اللَّه والنية الصادقة - ثم قال : - العمل الخالص الذي لا تريد أن يمدحك عليه أحد إلّااللَّه عز وجل ، والنية أفضل من العمل . « 2 »
وهذا هو الحديث الذي نقلناه قبيل هذا ، وذكرنا أن البهائي ذكر ما ذكر عند شرحه فأقول :
إن قوله عليه السلام : « العمل الخالص » يمكن أن يكون متعلقاً بقوله « أصوبكم عملًا » وبياناً « 3 » له ، ويمكن أن يتعلق بقوله « والنية الصادقة » ، فعلى الأول يكون عليه السلام قد أشار إلى أن العمل الصائب هو العمل الخالص ، والخلوص ينشأ من خشية اللَّه والنية الصادقة ، وعلى الثاني يكون إشارة إلى أن صدق النية عبارة عن خلوصها ، فمعنى كونها صادقة هو أن يكون خالصة ، فإذا خلصت خلص العمل وأصاب ، وعلى كلا التقديرين يكون قوله عليه السلام : « والنية أفضل من العمل » كالنتيجة الحاصلة من ذلك المتفرعة عليه ؛ لأن العمل إذا لم يكن صواباً إلّابالنية الخالصة فلا حكم له ولا أثر بدونها ، فيكون بمنزلة الجسد بلا روح ، فالنية للعمل بمنزلة الروح للجسد التي بها حياته وتأثيره ؛ كما قرّره الشارحون لقول النبي صلى الله عليه وآله : إن اللَّه لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ، ولكن ينظر إلى قلوبكم ونياتكم ، بأنه أشار صلى الله عليه وآله في هذا الكلام إلى أن النيات للأعمال بمنزلة الأرواح للصور والأشباح .
وقد صرّح بذلك في رواية أخرى أيضاً ، ولا شك أن الروح أفضل وأشرف من البدن .
هامش
( 1 ) . سورة الملك ، الآية 2 .
( 2 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 16 ؛ بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 230 ، بيروت : مؤسسة الوفاء ، 110 مجلداً ، الطبعة الثانية .
( 3 ) . في المخطوطة : « بيان » .