ولهذا قال بعض العارفين :
إذا قيل لك : تخاف اللَّه ؟ فاسكت وأمسك عن الجواب ؛ لأنك إن قلت : « لا » ، كفرت ، وإن قلت :
« نعم » ، كذبت . انتهى .
فعلم ممّا ذكرنا ونقلنا من هذه المقدمات أنه لا يحصل خلوص النية الموجب لخلوص العمل وإصابته إلّابعد رياضة النفس وإتعابها ، وشدة حرصها وآدابها في تحصيل العلوم الدينية والمعارف اليقينية ، وتخلّيها عن جميع الرذائل وتحلّيها بأنواع الفضائل ، ولذا قال أمير المؤمنين وسيّد العارفين - صلوات اللَّه عليه وعلى أولاده الطاهرين - : تصفية العمل أشد من العمل ، وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد .
وقال الصادق عليه السلام : صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم ؛ لأن سلامة القلب من هواجس المحذورات تخلّص النية للَّهفي الأمور كلها » ، ثم تلا قوله تعالى
« يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ »
« 1 » .
وقال عليه السلام : القلب السليم الذي يلقى اللَّه وليس فيه أحد سواه « 2 » .
ومن هنا يظهر أن النية الصادقة لا تحصل إلّابعد تحمّل مشقات عظيمة وارتكاب رياضات جسيمة ، لا يكاد يوجد في أحمز الأعمال من العناء والتعب ما يساوي العشر العشير ممّا يحتاج إليه تحصيل مقدمة من مقدماتها من أنواع المشقة وأقسام النصب ، ويظهر صدق ما قاله الفاضل الأردبيلي في شرحه ل الإرشاد من غير مبالغة ولا إغراق :
إن إخلاص النية في غاية الصعوبة وقليل الوجود ، وتحصيله كتحصيل اللبن الخالص وتخليصه من بين فرث ودم .
ويظهر أنها أحمز الأعمال ، وتندفع المعارضة بحديث الأحمزية بلا قيل ولا قال والحديث الذي نقلناه عن أبيهاشم ، عن أبي عبداللَّه عليه السلام من أن علّة تخليد أهل النار في النار وأهل الجنة في الجنة يدفع المعارضة بما روي من أن النية المجردة لا عقاب فيها
هامش
( 1 ) . سورة الشعراء ، الآية 89 .
( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 67 ، ص 54 .