والحاصل أن هذا الوجه أسهل الوجوه وأدناها بل أسخفها وأرداها ، ويكفي في سخافته وبطلانه - ويرشد إليهما - استحسان بعض الوزراء له كما قيل بالفارسية :
ميرود چون كفش كج در پاى كج
وأعجب ما فيه العدول عن ظاهره الصحيح الصريح من غير علة وسبب موجب للعدول إلى لفظ بديع ومعنى شنيع ، والاستشهاد له ببيت المتنبي - وهو ممّن لا يستشهد بكلامه - وإن ذكره بعض فللتمثيل لا للاستشهاد كما سبقت الإشارة إليه ، وكذلك البيتان الآخران ؛ فإن قائلهما مجهول ، مع أن المبرد وغيره حملوها على الشذوذ وضرورة الشعر ، وكذلك ينبغي أن يتعجب من الشهيد رحمه الله حيث ظن أن قوله تعالى
« وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى »
من جملة ما يستشهد به على ذلك .
وكان ينبغي للشهيد حيث جعله وجهاً آخر غير الوجه المذكور أن يستشهد له بالمثال المشهور من قولهم : « الناقص والأشج أعدلا بنيمروان » « 1 » ، لكن هذا المعنى غير مراد للسيّد في هذا الوجه ، بل لا يكاد يصح الاستشهاد به أيضاً إلّابتكلف بعيد ، ولذلك لم يستشهد به .
وأما الثامن فهو كالخامس ، وقد ذكره الغزالي عند شرحه قوله صلى الله عليه وآله : إن اللَّه لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ، وإنما « 2 » ينظر إلى قلوبكم ونياتكم .
وهذا الحديث أيضاً من جملة ما يدل على كون النية أفضل من العمل ، وهذا الوجه وإن قرب من الوجه التاسع إلّاأن التاسع يدفع المعارضة بالأحمزية ، وهذا لا يدفعها ولا يشير إليها ، وإنما كان يدفعها لو يبيّن فيه أن ذلك التأثر شاقّ أشق وأحمز
هامش
( 1 ) . هذه العبارة تقال فيما إذا لم يقصد بصيغة « أفعل » ، التفضيلُ ؛ إذ ليس في بنيمروان عدل ليكونا أعدلمنهم ، بل المراد أنهما عادلا بنيمروان . وقد ذكر السيوطي هذا المثال في كتابه الدراسي المشهور : البهجة المرضية عند البحث على قول ابن مالك في باب أفعل التفضيل :هذا إذا نَوَيْتَ معنى مِن وإنْ * لَمْ تَنْوِ فَهْوَ طبقُ ما به قُرِن( 2 ) . سيأتي من المصنف روايته بلفظ « ولكن » ، بدلًا من : « وإنما » . والمعنى واحد .