ثم إن الخشية التي هي منشأ الخلوص إنما تحصل وتنشأ من العلم والمعرفة كما قال تعالى :
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »
« 1 » ، وكما قال صلى الله عليه وآله : أعرفكم باللَّه أخشاكم له .
الفرق بين الخوف والخشية
قال المحقّق الطوسي - عليه الرحمة - في بعض مؤلفاته : إن الخوف والخشية وإن كانا في اللغة بمعنى واحد ، إلّاأن بين خوف اللَّه وخشيته في عرف أرباب القلوب فرقاً ، هو أن الخوف تألم النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب المنهيّات والتقصير في الطاعات ، وهو يحصل لأكثر الخلق ، وإن كانت مراتبه متفاوتة جداً ، والمرتبة العليا منه لا تحصل إلّاللقليل ، والخشية حالة تحصل عند الشعور بعظمة الحق وهيبته وخوف الحجب عنه ، وهذه الحالة لا تحصل إلّالمن اطّلع على جلال الكبرياء وذاق لذة القرب ، ولذلك قال سبحانه :
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ »
، فالخشية خوف خاص ، وقد يطلقون عليها الخوف أيضاً . انتهى .
وقال شيخنا البهائي عند بيان قول أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام :
وأوصيك بخشية اللَّه في سرّ أمرك وعلانيتك : المراد بالخشية في العلانية أن يظهر آثارها في الصفات والأفعال من كثرة البكاء ودوام التحرّق وملازمة الطاعات وقمع الشهوات ، حتى يصير جميعها مكروهاً لديه ، كما يصير العسل مكروهاً عند من عرف أن فيه سمّاً قاتلًا ، وإذا احترقت جميع الشهوات بنار الخوف ، ظهر بالقلب الذبول والخشوع والانكسار ، وزال عنه الحقد والكبر والحسد ، وصار كل همه النظر في خطر العاقبة ، فلا يتفرغ لغيره ، ولا يصير له شغل إلّاالمراقبة والمحاسبة والمجاهدة في الاحتراز من تضييع الأنفاس والأوقات ، ومحاسبة النفس ومؤاخذتها في الخطوات والخطرات ، وأما الخوف الذي لا يترتب عليه شيء من هذه الآثار فلا يستحق أن يطلق عليه اسم الخوف ، وإنما هو حديث نفس .
هامش
( 1 ) . سورة فاطر ، الآية 28 .