بصفاء إصغائه وما هو غالب عليه من وجود أفراده ، استجمع في صفاته إلى الحقّ الّذي ينفرد به طول عهده ومطمئنّ إليه في حياته وبعد مماته فأحبّ أن يسمع من الحقّ حقّاً ، فسمعه يقول عز وجل
« فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ »
فسمع على المواجهة يقول « جِئنا بِكَ » فكان ظاهره ، فكيف استكشاف عمّا يدمع إليه ، من إقامة الشهادة على الخليفة ، فتلقّف ذلك منه على تعظيم المقام وإجلال المكان وشهود ما استأثر الحقّ / 99 / من العلم بما يكون منهم وما يكون منه إليهم ، وكيف يثبت الحقّ له على إقامة ما جرد الحقّ له أو يقول « ما أحببتم » ؟
« قالُوا لا عِلْمَ لَنا »
. « 1 »
فقد قيل : طاشت عقولهم خوفاً من اللَّه وهيبَةً لسؤاله ، فلمّا قال : فكيف المخلص من الوقوف في مشهد عزّ الالوهيّة إذا تجرّد الخطاب بمطالعة إقامة الشهادة على رؤوس الأشهاد ، فشهد - عليه الصلاة والسلام - انفراد الحقّ ، ما استأثر في علمه ، ممّا أراد إظهاره ممّا لم يطّلع عليه ملك مقرّب ولا نبيّ مرسل ، فيقول : فكيف قيامك في إقامة الشهادة منك على المشهودين ، قيل صلى الله عليه وسلم عند استقرار ما أراد الحقّ كشفه ليوم معلوم من إقامة الشهادة لاستكشاف الأحوال على شرائط الاستقصاء ووجود التحقيق إذا ظهر بحقّ اقتضاء حقّه ممّا له على خلقه ، حيث يستوي الإقدام عنه بروز الكبرياء ونشر أوصاف الألوهية .
فكان أهل العلم لِمعرفتهم بذلك - أخوف حالًا وأوجل مقاماً واكمد لهم وأنكى ، لعلمهم بما يريدهم الحقّ لذلك ممّا أدركوا من قوله :
« فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً »
، « 2 » فمشاهدة الخطاب على معرفة المخاطب أزال الوسائط وأفنى السواتر وتجرد الخاطب للمخاطب ، فشهده باقتضائه على معرفة منه بأنّه قد استأثر عنده العلم المكنون والسرّ المصنون ، وأنّه على أيحال يظهر المخلص على
هامش
( 1 ) . سورة المائدة ، الآية 109 .
( 2 ) . سورة النساء ، الآية 41 .