والحاصل أنّ السؤال عن مطلق العلم بالحادث والجوابَ علم خاصّ على وجه تخيّله السائل ؛ لأنّ ذلك أهمّ .
ولعلّ قوله عليه السلام : « المعلّمة » إشارة إلى المعلمة المتخيّلة للسائل الّتي تفطّن بها الإمام عليه السلام لا مطلق العلم .
ويمكن أن يقال : إنّ السائل أراد بالسؤال عن المَعلَم أن يعيد السؤال ، فيسأل ثانياً عن سببه ؛ ظنّاً منه أنّ علمه تعالى حادث كعلمنا ، ولمّا علم الإمام عليه السلام ذلك بادر إلى نفي العلم الحادث ؛ تعجيلًا لإلقاء الحقّ وإفهامه ، فنقول : معنى السؤال : « هل كان الكائن » أي هل صار الكائن معلوماً بسبب عند نفسه ، أو كان معلوماً في الأزل ؟ فأجاب بقوله :
« إنّما تكون المعلمة » أي إنّما تقع وتحدث المعلمة الحادثة « لنفي خلافه » أي لنفي خلاف العلم ، وهو الجهل واستتار المعلوم نفسه بما هو نفسه ، وبما نفى عنه من أضداده ومخالفته موجوداً حاصلًا عند العالم ، ولم يكن هناك أي عند الصانع - عزّ شأنه - خلاف العلم وضدّه ، فتدعوه الحاجة إلى سبب ينفي عنه ذلك الضدّ بتحديد المعلوم فيه ، واللَّه يعلم أسراره .
وأمّا الرابع : فهو أردى الوجوه الأربعة ، فإنّه نظير الأوّل ، في كون السؤال عن علم الشيء بنفسه قبل وجوده ، إلّاأنّه هنا في الكائن الحادث ، وهناك في الصانع القديم - تعالى شأنه - ، فهو يشارك الأوّل في السقوط ويزيد عليه .
ولما ذكرناه أنصف الأستاذ العلّامة قدس سره واعترف بأنّ شيئاً منها لا يخلو عن شيء .
وأقول - وباللَّه التوفيق - : يخطر بالبال وجهان :
الأوّل : أنّ السؤال عن العلم الزائد على الذات المغاير للعالم ، كما هو المألوف المعروف بين الناس ، والجواب بنفيه ، فالمعنى « إنّما تكون المعلمة » أي صفة العلم الزائدة على ذات العالم « لنفي خلاف العلم » ؛ فإنّ العالِم ليس نفس العلم وعين ما به الانكشاف ، فليس له في مرتبة ذاته سوى خلاف العلم أي الجهل ، فيحتاج إلى صفة المعلمة لتنفى عنه صفة الجهل ، وليكون ذلك العالم نفسه - بما نُفي عنه من الجهل -
ميراث حديث شيعه — صفحة 476
مساهمون: مهدى مهريزى
ص٤٧٦