موجوداً بعد ما كان موجوداً على صفة الجهل ، وليس شأن الصانع - تعالى - في ذاته كذلك ، فيمتنع كون علمه زائداً على ذاته .
وبيانه : أنّه ليس ولم يكن هناك - أي عند الصانع - شيء يخالف العلم ويضادّه ، أي لم يكن عنده جهل بشيء أصلًا حتّى نقول تدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء المخالف لصفة العلم عن نفسه بتحديده - تحديد ما علم من الأشياء - بعد ما لم يكن محدوداً في علمه حينئذٍ ، ففي الجواب إشارة إلى أنّ العلم الزائد على ذات العالم لابدّ من كونه حادثاً مسبوقاً بضدّه وخلافه الّذي هو الجهل .
الثاني : أن يكون المقصود بالسؤال هو العلم الفعلي للصانع - تعالى - بنفسه .
فأجاب عليه السلام بنفيه ، وبيانه يستدعي تمهيد مقدّمة هي أنّ العلم على ضربين : أحدهما الانفعالي ، وهو الّذي يحصل بعد حصول المعلوم ، فإذا علم به العالم حصل فيه ما لم يكن فيه ، فانفعل بعلمه به ، كعلمنا بالأشياء ؛ وثانيهما الفعلي ، وهو الّذي يكون سابقاً على وجود المعلوم وسبباً لموجود ؛ كعلم اللَّه سبحانه بالأشياء قبل وجودها ، فإنّها تتكوّن وتوجد على ما علم اللَّه سبحانه وأحاط به من النظام الأحسن والانتظام الأتقن ، وهذا هو الّذي قد يعبّر عنه في ألسنة أهل الفنون العقلية بل النقلية أيضاً بالقضاء ، وهو العلم الإجمالي بالكلّ والقدر ، وهو العلم التفصيلي بالكائنات المادّية والمكونات الهيولانية على ترتيبها شيئاً فشيئاً ، على حسب استعداداتها والعناية ، وهو العلم بالموجودات على النظام الأحسن والترتيب الأتقن ، وهذا القسم الأخير من العلم يستند إليه المعلوم ، ولذا يسمّى علماً فعلياً .
إذا عرفت هذا فنقول : لعلّ السائل أراد أنّ الممكنات بما هي عليه مستندة إلى علمه تعالى بها ، فهل الصانع - تعالى شأنه - بما هو عليه مستند إلى علمه ؟ بمعنى أن تكون كمالاته الذاتية مستندة إليه معلولة للذّات ، كاستناد الممكنات إليه ، بأن تكون علمه بذاته كاملة بكمالاته ، منشأ لاتّصافها بتلك الصفات ، حتّى لو لم يعلم علمه وقدرته لما كان عالماً قادراً ، فيكون ما عليه الصانع مستنداً إلى قضائه وقدره وعلمه
ميراث حديث شيعه — صفحة 477
مساهمون: مهدى مهريزى
ص٤٧٧