فأجاب عليه السلام بأنّ المعلمة قبل الشيء إنّما يكون لشيء يوجده غيره ، فيصوّره في نفسه حتّى يدفع عنه ما ينافي وجوده وكماله ، ثمّ يوجده على ما تصوّره ، والواجب الوجود بذاته ذاته مقتض لوجوده ، ولا مانع لوجوده حتّى يحتاج إلى ذلك ، فلذلك هو أزليٌّ غير معلول .
الثاني : أن يكون المراد بالكائن الصانع أيضاً ، ويكون معنى : هل هو معلوم عند نفسه بصورة حاصلة في ذاته ؟ ولذا قال : « في نفسه » ، فأجاب عليه السلام بأنّ الصورة الحاصلة إنّما تكون لشيء يشترك مع غيره في شيء من الذاتيات ، ويخالفه في غيرها ، فيحتاج إلى الصورة الحاصلة ؛ لتعيّنه وتشخّصه وامتيازه عمّا يشاركه ؛ فأمّا البسيط المطلق الّذي تشخّصه من ذاته ، ولم يشارك غيرَه في شيء من الذاتيات ، فلايحتاج لمعرفة نفسه إلى حصول صورة ، بل هو حاضر بذاته عند ذاته ، فقوله : « ولم يكن هناك شيء يخالف » أي شيء يخالف في بعض الذاتيات ، فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه ، بتحديد ما علم من ذاته بجنس وفصل وتشخّص .
الثالث : أن يكون المراد بالكائن الحادثَ المعلول ، والمراد معلوميته عند الصانع بصورة حاصلة منه فيه ، وحاصل الجواب على هذا أنّ المخلوق إذا أراد صنع الشيء ، يصوّره أوّلًا في نفسه ؛ لعجزه عن الإتيان بكلّ ما يريد ، ولإمكان وجود ما يخالفه ويعارضه فيما يريده ، فيصوّره في نفسه على وجه لا يعارضه شيء في حصول ما أراد منه ، وينفي الموانع عن نفسه بتحديد ما علم منه ؛ وأمّا الصانع تعالى فهو لا يحتاج إلى ذلك ؛ لكمال قدرته ، ولعدم تخيّل الموانع عن الإيجاد ثمّة ، بل
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
« 1 » ، فليس المراد نفي العلم رأساً ، بل نفي العلم على الوجه الّذي تخيّله السائل بوجه يوافق فهمه ، وضمير « منها » راجع إلى الشيء الكائن باعتبار النفس ، أو إلى النفس ، أي علماً ناشئاً من النفس .
الرابع : أن يكون المراد كون الحادث معلوماً لنفسه عند نفسه قبل وجوده ، لاكونه معلوما لصانعه ، فالجواب أنّ الشيء بعد وجوده وتشخّصه يكون معلوماً لنفسه على وجه يمتاز عن غيره . والحاصل أنّ الامتياز العيني للشيء لا يكون إلّابعد وجوده ؛ لافتقار وجوده إلى التميّز عن غيره ممّا يخالفه في ذاته وتشخّصه ، وأمّا امتيازه في علمه تعالى فليس على نحو الوجود العيني ، فلا يستلزم علمَ كلّ حادث هناك بنفسه ، كما يكون لذوي العقول بعد وجودها « 2 » . انتهى كلامه ، زيد في الجنان إكرامه .
هامش
( 1 ) . يس ، الآية 82 .
( 2 ) . بحارالأنوار ، ج 10 ، ص 320 و 321 .