فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ »
والبارئ لا نفس له ، لكن أراد مشاكلة لفظ بما تقدّمه ، فكذا هنا .
وهذا الوجه عندي أحسن الوجوه المذكورة ، ومن تأمّل من ذوي الفطن تبيّن له ذلك .
وأمّا قوله : « من ترك الرياء بقي بلا عمل » فيحمل على هذه المعاني ويؤخذ معناه منها .
وبيانه : أنّ من ترك العمل حذراً من أن ينسبه الناس إلى الرياء على المعنى الأوّل ، أو ترك ما يؤول عمله إلى مدح الناس وتعظيمهم لعامله مع فعله إخلاصاً للَّه على المعنى الثاني ، أو ترك تزكية نفسه وهتك ستره عند إخوانه بترك العمل على المعنى الثالث ، أو لم يطلب رضى ربّه ولم يعمل لاستحقاق المدح منه ونيل ثوابه على المعنى الرابع ، بقي بلا عمل ؛ لأنّه على واحد من هذه الوجوه لا يعمل شيئاً من الأعمال .
وقد كان جماعة من المشايخ في البحرين خاضوا في معنى هذا ونحن حضور وخضنا معهم فيه ، فأدّوا فيه ما حاصله : إنّ مبدأ دخول الإنسان في العمل ما يَتصوّره من حصول المنزلة الرفيعة عند الناس لعامل ذلك العمل ، ألا ترى أنّ الرجل يقول لابنه إذا أمره بطلب العلم : يا بنيّ ، اطلب العلم ؛ فإنّ للعالِم شرفاً ومنزلةً عظيمةً عند الناس ، ألا تنظر إلى العلماء كيف يعظّمهم الناس ويوقّرونهم ويطيعون أمرهم ؟ ! . . . يُرغّبه بذلك ، وكذا من يأمر ابنه أو صديقه بالطاعات يقول له : ألا ترى أهل الصلاح والدين موقَّرين مبجَّلين عند الناس من العلماء والعظماء والأكابر ؟ ! فاعمل وأصلح نفسك تَنَلْ هذه الفضيلة وتدركْ هذه المنزلة الجليلة .
وكلٌّ منهما لم يُرد من الشخص الّذي أشار عليه العملَ للناس ، بل ذكر له لازم ذلك العمل ، وربّما أراد المشير في الحالين العمل بما ذكره من الغرض الدنيوي أيضاً ، فيدخل المشار عليه في العمل من طلب العلم وغيره لما تصوّره في نفسه