رأى فيه ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور فتعجّب من ذلك فأوحى اللَّه إليه : إنّ هذا العبد كان عاصياً ، وكان ترك امرأة حبلى فولدت ولداً وربّته حتّى كبر فسلّمه إلى المعلّم فلقّنه بسم اللَّه الرحمن الرحيم ، فاستحييت من عبدي أن أعذّبه في بطن الأرض وولده يذكرني بالرحمة » « 1 » ، فمن يكون في رحمته هذا كيف يكون في حقّ من يذكره بالرحمة دائماً ويدعوه بالرحمن الرحيم طول عمره ويؤمّل ويرجو رحمته في الآخرة ؟ ! .
( وَيَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِرُبُوبِيَّتِكَ ) أي بكونك ربّاً له شفيقاً عطوفاً رؤوفاً به ، فإنّ الربوبيّة توجبالشفقة والعطفوالرحمة علىالمربوب ، فكيفإذا كانالربّ رحماناً رحيماً .
( أَمْ كَيْفَ تَزْجُرُهُ ) إلى قوله : ( هَيْهَاتَ ) « أم » في هذا المواضع للإضراب المجرّد يعني : بل كيف تتركه في النار ، و ( تؤلِمُهُ ) و ( يُحرِقُهُ لَهيبُها ) أي شعلها ، و ( يَشْتَمِلُ عَلَيهِ زَفِيرُها ) أي داهيتها وبلاؤها و ( يَتَقَلْقَلُ ) أي يدخل ( بَيْنَ أطْباقِها ) و ( تَزْجُرُهُ زَبانِيَتُها ) أي تدفعه خزنتها بمقامع من حديد إذا أراد أن يخرج منها من غمٍّ فيعاد فيها .
و ( كَيْفَ يَرْجُوا فَضْلَكَ فِي عِتْقِهِ مِنْهَا فَتَتْرُكُهُ فِيهَا ) إنّما غيّر الأسلوب وقدّم الرجاء على الترك بعكس ما سبق وكان السياق يقتضي أن يقول : كيف تتركه فيها وهو يرجو فضلك في عتقه منها ؛ لأنّ التعجّب يقتضي ثبوت المتعجّب منه في الجملة ؛ إذ لا وقع للتعجّب من شيءٍ معدوم وأمرٍ عدمي ، فكان ما وقع بعد كيف كأنّه أمر ثابت من حقّه أن يتعجّب منه مع عدم إشعار فيه بثبوت قيده ممّا وقع بعد الضمير ، وفيه شائبة رجحان الخوف ورائحة خلاف حسن الظنّ باللَّه ، فقام عليه السلام - بعد تذكّر
هامش
( 1 ) . التفسير الكبير 1 : 178 : التاسعة عشرة : مرّ عيسى بن مريم عليه السلام على قبر فرأى ملائكة العذاب يعذّبون ميتاً ، فلمّاانصرف من حاجته مرّ على القبر فرأى ملائكة الرحمة معهم أطباق من نور ، فتعجّب من ذلك فصلّى ودعا اللَّه تعالى ، فأوحى اللَّه تعالى إليه ؛ يا عيسى ، كان هذا العبد عاصياً ومذ مات كان محبوساً في عذابي ، وكان قد ترك امرأةً حبلى فولدت ولداً وربته حتّى كبر ، فسلّمته إلى المعلّم فلقّنه المعلّم « بسم اللَّه الرحمن الرحيم » فاستحييت من عبدي أن أعذبه بناري في بطن الأرض وولده يذكر اسمي على وجه الأرض » .