وكيف يفوّض اللَّه فيه الأمر إلى غيره وهو الذي ما أهمل في شيء من الأمور الدنيويّة والاخرويّة ، بل بيّن صغيرها وكبيرها ؟ وكيف يهمل في بيان محلّ الإمامة وهو واجب عليه لانتظام الشريعة وإتمام الغرض المقصود من البعثة ، والتقصير في تأدية الواجب مع القدرة عليها غير ملائم للحكمة ، بل دليل على السفه ؟ ! تعالى اللَّه عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً .
وقد سئل عن بعض أئمّتنا - صلوات اللَّه عليهم - جهة بطلان الاختيار من الامّة في أمر الإمامة فقال : « لأ نّا نظرنا في القرآن فرأينا أنّ اللَّه يخبر عن كليمه المختار أنّه اختار سبعين رجلًا للميقات ، فظهر خيانتهم وفسادهم في الدين ، حتّى أهلكهم اللَّه جميعاً » « 1 » .
فإذا كان خيرة الكليم وهو معصوم باطلًا ، فكيف بخيرة غيره ؟ وهو كلام رزين متين لا يأبى عنه إلّامن انحرف عن الدين .
وأمّا تمسّكهم بقعوده عن مطالبة حقّه ، فهو لم يقعد عن ذلك اختياراً ، بل إنّما قعد بعد ما طالب حقّه مراراً ، حتّى خاف من القتل والمهانة ، وبعد ما بالغ مَن معه في مطالبة حقّه ، وحضروا يوم الجمعة في المسجد وهو على المنبر ، فأخبروه بما سمعوا منالنبيّ صلى الله عليه وآله في حقّه وأفحموه حتّى عجز عن الجواب ، فقام إليه عمر وقال :
« انزل يا لكع ؛ إذا كنتَ لا تقوم بحجّة فلِمَ أقمتَ نفسك في هذا المقام ؟ واللَّه لقد هممتأنأخلعها منك وأجعلها في سالم مولى حذيفة ! » ، ثمّ أخذ بيده وانطلق إلى منزله ، وبقوا ثلاثة أيّام لا يدخلون المسجد ، فلمّا كان الثالث جاءهم خالد وسالم ومعاذ ومعهم ألفان ، فخرجوا شاهرين سيوفهم ، يقدمهم عمر وهو يهدّد عليّاً ، وأصحابه بالسيف وهم يعارضونه بسيف اللسان ، فعند ذلك قام سلمان وقال : اللَّه أكبر ، لقد سمعترسول اللَّه صلى الله عليه وآله يقول : بينما أخي وابن عمّي جالس في المسجد في نفر من أصحابه إذ ثيب عليه . . . يريدون قتله وقتل من معه ، فلستُ أشكّ إلّاأ نّكم
هامش
( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 23 ، ص 68 ، حديث 3 وج 52 ، ص 85 ، حديث 1 .