رجلا وانقشع السّحاب ، فقال أبو الحسن : يا يحيى بن هرثمة هكذا يجمع اللّه الناس هاهنا ويميتهم ، فقبّلت رجله واستبصرت ، فدفنّا الموتى وخرجنا ، فبينا نسير بعد ذلك يوما إلى قرب الزوال وأبو الحسن لا يشير بالنزول ، فقلت : يا بن رسول اللّه ، كلّت الدوابّ والحمولات ، وقد حرّ اليوم ولاماء ، فقال : تستريحون إن شاء اللّه تحت ظلّ أغصان شجرتين ، وتشربون من أبرد ماء ، وكنت عارفا بتلك الطريق أن لاماء فيها ولا شجر ، فسرنا إلى أن بدا لنا شجرتان كأعظم ما يكون من الأشجار ، وإذا ماء جار تحتها ، فتعجّبنا ونزلنا فشربنا وسقينا الدوابّ والمراحل وأرحلنا واسترحنا ، وكنت أنظر إلى الماء وإلى الشّجرتين ، ثمّ أنظر إلى ابن رسول اللّه ، فيتبسّم في وجهي ، فأخذت سيفي وخرجت إلى خلف الشجرتين ودفنته في الأرض وأعلمت عليه بحجارة وضعتها عليه ، فلمّا ارتحلنا وخرجنا غلوة أو غلوتين ، انصرفت إلى ذلك الموضع فواللّه ما وجدت أثرا للشجرتين ، وكأن لاماء هناك قطّ ، وأخذت السيف وأسرعت حتّى لحقت بالخيل ، فصرت ثابت القدم في التشيّع . 117
هامش
117 . « . . . روي عن يحيي بن هرثمة قال : دعاني المتوكل فقال : اختر ثلاثمائة رجل ممن تريد واخرجوا إلى الكوفة فخلّفوا أثقالكم فيها ، واخرجوا على طريق البادية إلى المدينة ، وأحضروا عليّ بن محمّد بن الرضا عليه السلام إلى عندي معظمّا مكرّما مبجّلا ، قال : ففعلت وخرجنا ، وكان في أصحابي قائد من الشراة وكان لي كاتب يتشيّع وأنا على مذهب الحشويّة ، وكان ذلك الشاري يناظر الكاتب وكنت أستريح إلى مناظرتهما لقطع الطريق ، فلما انتصفنا المسافة ، قال الشاري للكاتب : أليس من قول صاحبكم - علي بن أبي طالب عليه السلام - : أنّه ليس من الأرض بقعة إلّاوهي قبر أو ستكون قبرا ، فانظر إلى هذه البرية ، أين من يموت فيها حتى يملأ اللّه قبورا كما تزعمون ؟ فقلت للكاتب : هذا من قولكم ؟ قال نعم . قلت : صدق أين من يموت في هذه البرّية العظيمة حتى تمتلئ قبورا . وتضاحكنا ساعة من كلام الشيعيّ ، إذ انخذل الكاتب في أيدينا « قال : ثم سرنا حتى دخلنا المدينة فقصدت باب علي بن محمّد بن عليّ بن موسى عليه السلام فدخلت عليه ، فقرأ الكتاب من المتوكّل ، فقال : انزلوا وليس من جهتي خلاف ، قال : فلما صرت إليه من الغدو كنا في تمّوز أشدّ ما يكون من الحرّ ، فإذا بين يديه خياط وهو يقطع من ثياب غلاظ خفاتين له ولغلمانه ، ثم قال للخياط : اجمع عليها جماعة من الخياطين واعمد على الفراغ منها يومك هذا ، وبكّر بها إليّ في مثل هذا الوقت ، ثمّ نظر إليّ وقال : يا يحيى اقضوا وطركم من المدينة في هذا اليوم ، واعمد على الرحيل غدا في هذا الوقت . قال : فخرجت من عنده وأنا متعجّب من الخفاتين وأقول في نفسي : نحن في