ولم نعثر على حديث واحد يخالف مفهوم أحاديث الرؤية والتجسيم المروية في
الصحيحين وسائر الكتب المعتبرة عند أهل السنة ، وحيث لم تحصل رواية تنفي التجسيم
والرؤية فبماذا نأول الأحاديث ؟ ( 1 )
ثانيا : إن متون تلك الأحاديث صريحة وواضحة عن أهداف ونوايا كانت مرادة
لجاعلي الأحاديث وإن ألفاظها وسياق عباراتها قد وضعت على نحو لا تدع للتأويل
والتبرير مجالا وسبيلا إلا الأخذ بظواهر الأحاديث ، فيا ترى كيف يمكن تأويل
الأحاديث الحاكية - بأنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر - التي هي صريحة في الرؤية
والمشاهدة ؟ وبماذا يمكن توجيه الوجه في أحاديثهم التي تقول إذا قاتل أحدكم أخاه
فليتجنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورته ؟ وبماذا ناول الأحاديث التي تثبت
المكانية والجهتية لله عز وجل وإنه تعالى فوق العرش والعرش على سماواته ، أو إنه تعالى
كان في غماء قبل أن يخلق الخلق وهكذا سائر الأحاديث الأخرى التي مر عليك بعضها ؟
هل يمكنك أن تتصور معنى ومفهوما آخر غير التجسيم والتشبيه وتحديد المكان
لهذه الأحاديث التي تلوناها عليك والأحاديث الأخرى التي أخرجوها في كتبهم في
مباحث التوحيد ؟ إذن كيف يسنح لنا أن نقوم بعملية التأويل والتوجيه ؟
ثالثا : إن ما احتوته هذه الأحاديث لم يكن بحثا جديدا وحديثا حتى نأولها ونقوم
بتوجيه وتبرير ذلك على غير ظاهرها ليتناسب مع العقل ، بل أنها أمور ظهرت إلى الساحة
هامش
( 1 ) نعم ، عثرنا على أحاديث وأقوال تخالف تلك الأحاديث ولكن ما أسرعهم أن أولوا هذه
الأحاديث المعارضة أو أنهم ضعفوها بحيث تطابق مفهوم أحاديث الرؤية والتجسيم
والتشبيه التي عليها المعتمد عند العامة ، ولذلك ترى في أكثر كتب أهل السنة خاصة الكتب
الحديثية والكلامية والتفسيرية عناوين تختص بالبحث في الرؤية وغيرها ، وأن عقيدة
الأغلبية الساحقة من علمائهم هي إثبات الرؤية والتجسيم وغيرها من الأمور المتعلقة
بالتوحيد حتى كتبوا كتبا كثيرة ومؤلفات عديدة في تقويم هذه العقيدة ، بحيث أفتى علماء
السنة وأئمتهم بكفر كل من لم يعتقد بالتجسيم والتشبيه ، وقد ملئت كتبهم بهذه الفتاوى
وتحريم تأويل ظواهر الحديث وإخراجه عن المعنى الظاهري منه . فعلى هذا فهل يبقى
محل وموضع للتأويل والتوجيه ؟ فتأمل جيدا . المعرب .