إن الشريف يؤلف المقاطع من قلبه الممزّق وهو يقول :
فواها كيف تجمعنا الليالي * وآها من تفرقنا وآها
وإن حاله لشبيه بحال صديق أعرفه بعض المعرفة ، ولعله يلبس إهابي ، وربما كانت معرفتي بذلك الصديق هي السر في اهتمامي بحجازيات الشريف وكان ذلك الصديق رأى فتاة ألمانية بقطار المترو في باريس ، فدعاها إلى معاقرة الحديث ساعة أو ساعتين ، فاعتذرت بأنها على سفر ، ثم قالت وهي تواسيه :
On se verra . peut etre !
وقد ركب صديقنا المترو ألف مرة ، وحج باريس مرات ، ولم يسمح الزمن بأن تقع عينه مرة ثانية على تلك العيون ، فواحر قلباه واتفق لذلك الصديق أن يدعوه فريق من أصفيائه إلى زيارة نورمنديا في كل عام مرة ، ولكن الزيارة الأولى لبساتين التفاح كانت في الوقت الذي فرغ فيه من دراسته بالسوربون ، فكانت أيامه بتلك البساتين أول العهد وآخر العهد . وقد رجع إلى فرنسة بعد ذلك ، ولكنه وا أسفاه كان يصل بعد ( مايو ) شهر الأزهار والرياحين ، وقد علمت أن شواغله في دنياه لن تسمح له أبدا برؤية نورمنديا في شهر مايو ، إلا أن يصبح من تقاليد الحكومات أن ترسل البعثات لتثقيف الذوق والوجدان يكفي هذا في الطواف حول هذين البيتين ، ونترك لأذواقكم درس الحسن في بقية القطعة ، وننتقل إلى الأبيات الآتية وقد قالها في مدينة الرسول في المحرم سنة 394 :
عبقرية الشريف الرضي — صفحة 132
مساهمون: زكي مبارك
ص١٣٢