لحقه وتعقّبه .
بيد أنّ أصل الدين كلّه متّحد الجوهر وإن اختلف المظهر .
الأديان كلّها متّحدة الحقيقة وإن اختلفت الطقوس والطريقة .
الأديان كلّها واحدة تدعو إلى عبادة الواحد لا تختلف في المبادي ولا الغايات ، وإنّما اختلافها في ما يناسب البيئة والأُمّة من القوانين والمشروعات .
ودين الحنيفية هو دين التوحيد وإن أُدخلت فيه الجاهلية ضدّه من عبادة الأصنام ، ولكن هذه الدخيلة بل الرذيلة كانت كاسمها جاهليةً ، هم يعترفون أنّها ليست من دين آبائهم بشيء ، وإنّما وجدوها عند بعض الأُمم فقلّدوها ، ثمّ فشا ذلك فيهم حتّى بلغ أقصى مبالغه وأبعد غاياته .
وأنت تعرف ما للتقليد من النفوذ في النفوس وسريانه في أكثر الأشياء ولا سيّما في العقائد والطقوس .
بيد أنّ العرب وإن مسخوا ونسخوا ذلك الدين المقدّس ، ولكن بقيت منه فيما بينهم بقايا تستنير في مدلهمّات كفرهم ومحلولك « 1 » عاداتهم استنارة الثواقب في أديم الليل البهيم « 2 » .
فكانوا يحجّون البيت الحرام ، ويعظّمون قبل النسيء حرمة الأشهر الحُرم ، ويختتنون ، ويفترضون الغسل من الجنابة ، ويعافون الدم ولحم الخنزير ، ويبيحون التزوّج بأكثر من واحدة ، ويفسخون عقد الزواج بالطلاق « 3 » ، إلى كثير من أمثال ذلك من الآداب وكرائم العادات ، كإكرام الضيف ، وحفظ الذمار ،
هامش
( 1 ) الحَلَك : شدّة السواد . ( تهذيب اللغة 4 : 63 ) .
( 2 ) ليل بهيم : لا ضوء فيه إلى الصباح . ( المصدر السابق 6 : 178 ) .
( 3 ) لاحظ بلوغ الإرب 2 : 49 و 195 و 224 و 287 - 289 .