وحين بلغ الأمر إلى غايته وانتهى بهم البلاء إلى تخوم شدّته تحرّكت لهم عواطف الرحمة وأدركتهم عوارف العناية ، فأرسات منهم إليهم نفحة من روحها وكلمة من كلماتها وملاكاً بشرياً من ملكوتها :
« إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ »
« 1 » .
تجسّد هذا الروح الإلهي وأشخص بنفسه إليهم ؛ ليجمع كلمتهم ، ويلمّ شعثهم ، ويعيد مجدهم ، ويحيي موتى جهلهم ، ويبرئ الأكمه والأبرص من تقاليدهم وعاداتهم .
فكان من أمره ما هو قيد يدك ومدّ نظرك و ( بمطلع الأكمة منك ) « 2 » .
والقصارى : أنّ في القرون التي تتّصل بعصورنا هذه قد كان السائد من الأديان والمنتشر بين من نعرفه من البشر هو تانك الشريعتان ، وهما الشائعتان عند أكثر الأُمم بأنّهما خاضعتان لعبادة إلهٍ واحد ومعبود فرد مقدّستان عن شرّ الشرك وأرجاس الوثنية مترفّعتان عن السجود لغير الخالق الحقّ الحيّ الأحد .
[ ديانة عرب الجاهليّة ، وذكر بعض أحوالهم الاجتماعيّة ]
أمّا العرب فقد كان في قبائلها وأفرادها من تلك الديانتين حصّةٌ ليس بالقليلة ، غير أنّ الشائع الفاشي والمذهب الأغلب الذي يعرف العرب به سائرُ الأُمم وينتمي إليه عامّتهم وخاصّتهم وأكثر قبائلهم وعمائرهم هو دين الحنيفية دين جدّهم ( إبراهيم ) وأبيهم ( إسماعيل ) الذي هو أحقّ وأعرق بالتوحيد ممّا
هامش
( 1 ) سورة النساء 4 : 171 .
( 2 ) مثل من من أمثال العرب ، يضرب للأمر الجلي الواضح العتيد الحاضر . ( منه رحمه الله ) .