هامش
وعانى أمراً إذا تمّ تعدّاه فخره .
إنّ جلّ نصارى العرب أو كلّهم قد كانوا ( يعاقبه ) و ( نساطره ) وأمثالهما ممّا يبتعد عن الكثلكة أشدّ التباعد ، وكانت نصرانية العرب أبسط مذاهب النصارى وأقربها إلى المعقول وأنسبها لبساطة طباعهم ، وقد كانت مقالاتهم في ( المسيح ) عليه السلام طبق ما أنبأ عنه الإسلام .
وضربة العربي على عرنينه أهون عليه من تكليفه الإيمان بسرّ الثالوث ، وأنّ الواحد ثلاثة ، وأن يأكل الخبزة على أنّها لحم المخلّص ، ويشرب الخمرة على أنّها دمه ! ونظائر هذا ممّا ليس القصد في الحاضر إلى بيانه .
وإنّما الكلمة التي أردنا بيانها وتسجيلها على الاستطراد هي : أنّ المذهب العامّ في العرب قبل الإسلام ما هو إلّاما أنبأنا عنه من مذهب الحنيفية مذهب ( إبراهيم ) و ( إسماعيل ) الذي بقي عندهم كثير من نواميسه وشرائعه التي عرفتها ، ودخله كثير ممّا ليس منه شأن سائر المذاهب والأديان التي يمرّ عليها تطاول القرون والأزمان .
وقد صرّح كثير من العرب بذلك :
قال ( أبو قيس الأسلت ) :فلولا ربّنا كنّا يهوداً * وما دين اليهود بذي شكول
ولولا ربّنا كنّا نصارى * مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنّا خلقنا مذ خلقنا * حنيف ديننا عن كلّ جيلولو أردنا إثبات هذه الجلية لأتينا من الحجج الدامغة والبراهين الساطعة ما لا يحجبه أكثف الحجب والمساتير .
وسيأتي من حديث ( زيد بن عمرو بن نفيل العدوي ) ونظرائه ما فيه بعض الدلالة على ذلك ، ونتعرّض لاستيفاء المسألة هنالك ، واللَّه المستعان على إصابة الواقع ونصرة الحقائق إن شاء اللَّه .
أقول : قوله رحمه الله : ( بعض كتّاب المسيحيّين من أرباب الصحف السيّارة ) مقصوده : الأب لويس شيخو المتوفّى سنة 1928 في مجلّته : ( المشرق ) التي أنشأها سنة 1898 م .
وهاك ترجمته : الأب لويس شيخو ، أحد أبرز أعلام النهضة الحديثة في الأدب ، ولد في ماردين سنة 1859 م ، ودرس في مدرسة الآباء اليسوعيّين في بلدة غزير ( لبنان ) ، وأتمّ تحصيله العالي في فرنسا ، ثمّ عيّن مدرّساً للعربية في المدرسة اليسوعية التي انتقلت من غزير إلى بيروت سنة 1875 م ، وفي أثناء تدريسه راح يكتب ويؤلّف ويحيي بعض الآثار العربية القديمة وتاريخ الشرق العربي والمسيحي . وقد أنشأ سنة 1898 م مجلّة ( المشرق ) ، كما أنشأ المكتبة الشرقية في الجامعة اليسوعية . من جملة مؤلّفاته : الآداب العربية في القرن التاسع عشر ، شعراء النصرانية بعد الإسلام . توفّي سنة 1928 م .