تصوّر أنّ نسبة كلّ الأشياء إلى كلّ الآثار نسبة واحدة وعلى حدٍّ سواء .
كما أنّي لا أكاد أقتنع بأنّ ذلك العارف المتبحّر ( أبا حامد ) ممّن تعزب عنه تلك الجليّة ، فيفترض أنّ نسبة الماء والنار إلى الإحراق مثلًا نسبة واحدة ، ليس في طباع واحد منهما اقتضاء له ومناسبة معه ، ولا في طباع الآخر منافرة عنه ومضادة له ، سوى أنّ اللَّه ( تعالى ) جرت عادته أن يوجد الإحراق عند ملاقاة النار لبعض الأجسام من دون أن تكون في طباعها جهة اختصاص تستدعي ذلك على خلاف طبيعة الماء .
لا جرم أن لا يكون معزى كلامه ذلك وإن كان ظاهراً فيه .
كلّا ، فإنّ باب الصرف والحمل لواسع . وما أكثر ما تقصر الألفاظ عن بيان تمام المقاصد ، فيكون الظاهر شيئاً والمعني غيره .
ومن السائغ أن يكون مرمى نظره ومباءة قصده إلى كون ما في الشاهد من المؤثّرات ليست هي العلّة التامّة وإن كانت مقتضية ، ولكن من الجائز أن يصادف وجودها وجود المانع ، فيبطل تأثيرها وإن كان حدوث ذلك المانع ليس في المشاهد المحسوس .
وكما أنّها ليست هي العلّة التامّة ، فكذلك ليست هي السبب الوحيد والعلّة المنحصرة .
فالإفعى التي يكون على الغالب سبب وجودها التولّد من المثل يمكن أن يكون لها سبب آخر في المادّة يوجد في العصى أو في الطين ، فتوجد بالخلق الفجائي .
وهذه هي الغاية التي يرمي إليها مناظره الفيلسوف ، وتتحصّل من ملامح كلماته وإن لم تكن صريحة فيه .
الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية — صفحة 55
مساهمون: الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء
ص٥٥