وقصارى ما عندنا في حقيقة الإعجاز : أنّه ليس خرقاً في النواميس الطبيعة ، وإنّما هو تصرّفٌ فيها وتدبيرٌ لها وحكمٌ عليها .
وليس من البعيد عنك ولا الشاسع عليك تصوّر ذلك بعد أن عرفت في مباحث إثبات الصانع من ( الجزء الأوّل ) أنّ الطبيعة محكومةٌ لا حاكمة ، ومدبَّرةٌ لا مدبِّرة ، ومقهورةٌ لا قاهرة « 1 » .
وإذا كان امتلاك الشعور والإحساس بالمنوّم المغناطيسي ، واستحضار الأرواح من طريق علمي ، وجعل الماء جليداً جمداً بالعمل الصناعي ، وحبس المطر بالصدحة ، وكثير من نظائرها ، كلّ ذلك ممكناً واقعاً فبالأجدر والأحرى والأحقّ والأولى أن يكون انقلاب النار برداً وسلاماً ، وانشقاق البحر رهواً ، وانقلاب العصا إفعى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وتسبيح الحصى ، وتظليل الغمامة ، والإعجاز بالبيان ، كلّها أيضاً من الحقائق الراهنة والأُمور الواقعة .
وإذا كانت القوى البشرية والصناعة العلمية والعملية تقدر على مثل تلك الأُمور ، فبالأحقّ والأولى أن يسهل ويهون على القوى الروحية والقدرة الأزلية ما هو أعظم وأعلى من ذلك .
كيف ! وما فتأت يد القدرة تنفذ مشيئتها في الطبيعة بما يُحسب أنّه خرقٌ لنواميسها ونقضٌ لمبانيها وأُسسها .
أليس بقاء السمند [ ل ] « 2 » والياقوت في النار ، وابتلاع النعامة
هامش
( 1 ) عرفت ذلك في ج 1 ص 202 وما بعدها .
( 2 ) السمندل : نوع من خصيلة العظايات ، وينتمي إلى الحيوانات البرمائية . له جسم إسطواني وذنب طويلوأرجل ممدودة من غير انتظام ، ولا مخالب له . كما أنّه أملس لا حراشف له . ولعلّ جلده اللمّاع الذي يبدو رطباً باستمرار هو الذي حاك حوله خرافة أنّه يستطيع النفاذ من النار دون أن يحترق ، وهذا غير صحيح . ( الموسوعة العلمية المبسّطة 3 : 260 و 395 ) .