فقالت قريش : صبا - واللَّه - الوليد ، واللَّه لتصبأنّ قريش كلّهم !
فقال أبو جهل : أنا أكفيكموه .
فقعد إليه حزيناً ، وكلّمه بما أحماه .
فقام فأتاهم ، فقال : تزعمون أنّ محمّداً مجنون ، فهل رأيتموه يخنق ؟ ! وتقولون : إنّه كاهن ، فهل رأيتموه يتكّهن ؟ ! وتزعمون أنّه شاعر ، فهل رأيتموه يتعاطى شعراً قط ؟ ! وتزعمون أنّه كذّاب ، فهل جرّبتم عليه شيئاً من الكذب ؟ ! فقالوا في كلّ ذلك : اللَّهمّ لا .
ثمّ قالوا : فما هو ؟ ففكّر ، فقال : ما هو إلّاساحر ! أما رأيتموه يفرّق بين الرجل وأهله وولده ومواليه ؟ ! وما الذي يقوله إلّاسحرٌ يؤثره عن مسيلمة وعن أهل بابل !
فارتجّ النادي فرحاً ، وتفرّقوا معجبين بقوله متعجّبين منه ) « 1 » انتهى .
وما عجبي وتعجّب كلّ ذي فطانة ونصف إلّامن استقامته واعوجاجه واحتجاجه ولجاجه !
انظر كيف أبصر الحقّ ، ثمّ تعامى ! وكيف خاض في الجهل وعاما !
فقل له : أيّها الوليد الغرّ والعازب عن حصافة الفكر ! لو كان ثمّة شيء من السحر تعلّمه ( محمّد ) صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بابل ، فلِمَ لا تعلّمه منهم غيره ؟ !
ولماذا لم ينكشف لسائر الناس سرّه ويظهر لهم - كما ظهر لك - أمره ؟ !
وأين كان هذا المجلس السرّي والمدرّس السحري الذي تردّد إليه ( محمّدٌ ) صلى الله عليه وآله وسلم وحده ، وصار فيه نسيج وحده « 2 » ؟ ! وهو النور الذي لا تواريه
هامش
( 1 ) الكشّاف 4 : 649 .
( 2 ) هذا مثل ، يقال : فلان نسيج وحده ، أي : لا نظير له . وأصله الثوب النفيس لا يُنسج على منواله غيره معه ، بليُنسج وحده . ( جمهرة الأمثال 2 : 303 ) .