فهم لأسرار حكمته خزنة ولمشاعر كعبته مفاتيح وسدنة ، وهم باب مدينة علمه وحُجّاب سرادق عزائمه وعزمه .
وحيث إنّ كلّاً منهما للآخر صاحبٌ وقرينٌ ، وما كلٌّ إلّاكتابٌ مبينٌ ، فإذا أردتَ أن تعرفَ شأن كلّ واحد منهما فاعرفه من أخيه ، وتحمّم في جزارة عرفانك ، واعرف من أين تؤكل الكتف « 1 » ، وخذ الماء من مجاريه .
دونك هذا نهج البلاغة ، وما أسبغه في ذلك وأساغه ، فتصفّح صحائفه ، وتعرّف معارفه ، وأقصد مقاصده ، وقف مواقفه ، وانظر ما أبان من علوّ الشأن لهذا القرآن ، وكيف أبهر فيما أظهر ، وأغرب فيما أعرب من عظيم المنزلة له والمكان .
وقد تكثّر ذلك فيه وتوفّر ، بحيث تعذّر إحصاؤه هنا أو تعسّر !
ولكنّي حرصاً على استنارة جبهات هذه الأوراق وبداراً إلى إبدار الحقّ في بروجها بعد المحاق ، لا صبرَ لي عن ذكر شيءٍ من لئالئ لُجّه ودرر نهجه ، وإن كنت احتار فيما اختار ولا أجد في كلامه عليه السلام إلّاما هو في منتهى الحسن والاختيار .
فهاكَ واحدةً من آحاد تُنبئك فرائدها عن بقيّة الأفراد :
وهي قوله عليه السلام - بعد ذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والإسلام وما لهما من عظيم الزلفى والمنزلة - : « ثمّ أنزل عليه الكتابَ نوراً لا تُطفى مصابيحه ، وسراجاً لا يخبو توقّده ، وبحراً لا يُدرك قعره ، ومنهاجاً لا يضلّ نهجه ، وشعاعاً لا يظلم ضوؤه ، وفرقاناً لا يُخمد برهانه ، وتبياناً لا تُهدم أركانه ، وشفاء لا تُخشى أسقامه ، وعزّاً لا
هامش
( 1 ) هذا مثل يضرب للرجل الحاذق ذي الدهاء ولمن جرّب الأُمور ، فيقال : فلان يعلم من أين تؤكل الكتف .
لاحظ : الأمثال لابن سلّام 100 ، جمهرة الأمثال 2 : 76 و 423 .