أمّا الخلفاء والتابعون وكبراء المسلمين وعيون الرجال ومداره « 1 » الفصاحة والبلاغة قديماً وحديثاً ، فلا أسطيع في مقامي هذا جمع الكثير من كلماتهم في نعت القرآن ، فضلًا عن الأكثر أو الكلّ منها .
ومن أراد استقصاء ذلك وتدوينه أمكنه بسهولة أن يجمع منه كتاباً ضخماً ومؤلّفاً فخماً .
وإنّما أُورد في هذا السفر ما يحضر في خزانة خاطري ومذكّرة ذاكرتي ، وما قرب منّي وسهُل أخذه عليّ من شذورٍ علقت بالذهن عند المرور بها والعبور عليها عفواً ، ولم استوسعها طلباً ، ولا أوقفت عليها وقتاً ، ولا جعلت لها من العناية قسطاً ؛ لأنّ موضوع كتابنا بالأصالة ليس ذلك وإن كان لصيقاً به عريقاً فيه ، بيد أنّا نخشى من التوسّع أن يفوّت جوهر الغرض .
ولكنّا نذكر شيئاً من تلك الشذور شبه النموذج والعنوان :
قال الخليفة ( أبو بكر ) رضي الله عنه من خطبة له : « اعلموا - عباد اللَّه - أنّ اللَّه قد ارتهن بحقّه أنفسكم ، وأخذ على ذلك مواثيقكم ، وعوّضكم بالقليل الفاني الكثيرَ الباقي . وهذا كتاب اللَّه فيكم لا تفنى عجائبه ، ولا يطفأ نوره ، فثقوا بقوله ، وانتصحوا كتابه ، واستبصروا فيه ليوم الظلمة ، فإنّه خلقكم لعبادته ، ووكّل بكم الكرام الكاتبين .
أيّها الناس ، تعلّموا القرآن واعملوا به تكونوا من أهله . إنّه لم يبلغ من حقّ مخلوق أن يطاع في معصية الخالق ، والقضم دون الخضم « 2 » » « 3 » .
هامش
( 1 ) المِدْرَه : زعيم القوم والمتكلّم عنهم . والجمع : المَدَارِه . ( صحاح اللغة 6 : 2231 ) .
( 2 ) القضم : الأكل بأدنى الأضراس ، والخضم : الأكل بأقصاها . ( تهذيب اللغة 7 : 56 ) .
( 3 ) راجع : المستدرك على الصحيحين 2 : 415 - 416 ، المنتظم 4 : 69 - 70 .