فقد سُئل سيّد العارفين إمامنا أمير المؤمنين عليه السلام عن القدر ، فقال : « طريقٌ مظلم ، فلا تسلكوه » ، وسُئل ثانياً ، فقال : « بحرٌ عميق ، فلا تلجّوه » ، وسُئل ثالثاً ، فقال : « سرُّ اللَّه ، فلا تتكلّفوه » « 1 » .
ومثل ذلك عن أئمّة الهدى عليهم السلام كثير « 2 » .
نعم ، وجوهها لا تخفى على الناقد البصير . ونحن - بعون اللَّه - سوف نعطيك صفوة تلك المناهل ولباب تلك المسائل .
ولكن الأولى أوّلًا أن نحيلك على حسّك ووجدانك وبداهتك وفطنتك ، ونطوي الدليل والبرهان في طي البيان .
وذاك أنّك تجد في نفسك أنّ كلّ فعل يصدر منك فهو بإرادتك واختيارك وعن ميلك وشهوتك ، وأنت قادر على فعله وتركه .
وقد يبدو لك وجه فساده ومقتضيات تركه ، ومع ذلك لا ترتدع عنه ترجيحاً لشهوتك وغلبةً لهواك على عقلك ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : « كم من عقل أسير تحت هوىً أمير » « 3 » .
وما تفعل من فعل إلّاوأنت تجد القدرة في نفسك على تركه .
وهل الاختيار إلّاهذا ؟ ! أعني : صدور الفعل عن قدرة وعلم وإرادة .
ولا ينافي ذلك كون هذه الأُمور كلّها من اللَّه ( جلّ شأنه ) ، كما أنّ وجودك أيضاً منه ، بل جميع شؤونك ، ولكنّه جعلها لك على نحوٍ أنت تُصرّفها كيف تشاء وتَصرِفها فيما تشاء تصرّف المالك في مملكته وذي السلطان في سلطنته .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة 526 .
( 2 ) لاحظ : الكافي 1 : 155 وما بعدها ، التوحيد للصدوق 364 وما بعدها .
( 3 ) نهج البلاغة 506 .