أقول : نعم ، ولقد بلغ بهم منابذة العلم إلى إنكار عامّة البديهيات ، حتّى قال قائلهم : ( ما هي إلّامبادئ وهمية ورثناها من السلف ) !
وزاد بعضهم ، فقال : ( لعلّ من بديهيات سكّان بعض السيّارات أنّ اثنين واثنين خمسة ) !
يريد حقيقة الخمسة لا لفظها ، كما لا يخفى .
فانظر واعجب ، واضحك وابكِ !
نعم ، وحيث بلغ الكلام بنا إلى هذه الهلجات التي هي أشبه بسمادير « 1 » السكارى أو المجانين ، فقد وجب علينا أن نكفّ ونقف .
وبالأكيد أنّ شمس الحقيقة قد نصعت وسطعت ، ولم يبق عليها ستار ولا غبار .
وإنّي وإن كنت قد أسهبت وأطلت ، ولكنّي - بالعزو لما طويته - أجدني قد اقتنعت بجرعه واجتزأت بلمعه .
ومهما يكن من شيء ، فإنّي - واللَّه هو الشهيد - قد محضت لك النصيحة ، ومخضت لك الزبدة ، وأعطيتك مصاص « 2 » الحقّ ، ولم آل جهداً في تقريب البعيد ، وتسهيل الشديد عليك ، والأخذ بيدك إلى سعادتك ونجاتك ، ولم يبق سوى الضراعة إلى من هو الغاية ومنه العناية أن يتولّاك بهدايته وتوفيقه .
فعلى عنايته المعوّل ، فإنّها تمام السبب أو السبب التامّ ، وإليه أرغب في أن يجعل عنائي له وجزائي عليه وسعيي خالصاً لوجهه الكريم :
« وَما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ
هامش
( 1 ) السمادير : ضعف البصر . وقيل : هو الشيء الذي يتراءى للإنسان من ضعف بصره عند السكر من الشرابوغشي النعاس والدوار . ( لسان العرب 6 : 357 ) .
( 2 ) المُصاص : خالص كلّ شيء ، أو سرّ الشيء ومنبته . ( لسان العرب 13 : 122 - 123 ) .