ثمّ إنّ العناية ( جلّ تقديسها ) بعد أن منحت الإنسان تلك النعمة العظمى وذلك الجوهر المقدّس - ألا وهو حرّية الاختيار - لم تهمله وشأنه وتتركه ونفسه ، فيتردّى - بجهله وسوء اختياره - في مهاوي الهلكة المؤبّدة ، ويكون منحه الاختيار مع جهله كدفع السلاح إلى الطفل مع إهماله .
كلّا ، بل لم تزل عين المراقبة تحوطه وترصده ، وعواطف الإشفاق والحنان تسعده على سلوك سبل الخير والنجاة وترفده ، فبعثت الرسل إليه ، ونشرت الكتب بين يديه ، وسنّت له القوانين ، وشرّعت له الشرائع ، واستظهرت بالإعذار والإنذار والوعد والوعيد والجنّة والنار .
كلّ ذلك تعديلًا واستدراكاً لتلك المنحة الجوهرية ، وأخذاً به إلى جانب الخير ، وإبعاداً له عن هاوية الشرّ . ولكن باختياره ؛ ليكون ذلك أسمى له وأسنى وأبقى لاستحقاقه مراتب الكرامة ووسامات المجد والشرف دون ما إذا أُجبر على الخير ، فإنّه - عند ذلك - كالحجر في قبضة صاحبه ، أين ما شاء وضعه ، موضع سوء أو إحسان ، وكيفما وضعه ، فالحمد والذمّ له لا للحجر ، ولكن :
« قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ »
« 1 » وأشدّه !
كلّ تلك العنايات والألطاف والتدابير الباهرة لم تنجع فيه ولم تعمل إلّافي أقلّه ، وبالرغم على كلّ تلك المسعفات الجاذبة إلى مناحي السعادة أبى إلّاالميل مع الهوى إلى مهاوي الشقاء .
لطفت العناية بالإنسان وأشفقت عليه إشفاق الأُمّ على جنينها ، وحافظت عليه محافظة اليد على عيونها ، فما حرّمت عليه شيئاً لصالحه إلّاوجعلت له
هامش
( 1 ) سورة عبس 80 : 17 .