سوء اختيار البشر .
تمثيل ذلك : أنّ تمكين اليد من القبض على السيف ووضع القوّة فيها على الضرب متى شاء ذو اليد ما هو إلّاخير وإحسان من العناية إليه ، ولكن اختيار الإنسان أن يستعمل هذه القوّة في قتل النفس البريئة وإزهاق النفحة الإلهية من هذه الهياكل المحترمة - بما أنّها صنع اللَّه - هو الشرّ والفساد في الأرض ، غير أنّه لا يمسّ شرف العناية ولا هو من صنعها أبداً ، وإنّما كلّ الوزر فيه على سوء اختيار الإنسان ، واستعماله النعمة في الكفران والصالح في الفاسد ، ووضعه الشيء في غير موضعه .
وهكذا حال سائر القوى المودعة فيه ، فإنّ جعل اللسان بحيث يقتدر على النطق والحركة متى توجّهت الإرادة وتكهربت أسلاك العروق بسيّال المشيئة هو من أعظم النعم ومنح الخير للإنسان ، ولكن تحريكه بالسباب والبذاءة والإلحاد والإفساد والصدّ عن سبل الهدى إلى مجاهل الضلال هذا هو الشرّ الناشئ من سوء الاختيار وخبث الجوهر :
« لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ »
« 1 » .
والسؤال : بأنّ العناية لماذا خلقت الخبيث ولم تجعل كلّ نوع البشر من الطيّب ؟ ما هو إلّاكالسؤال : بأنّه لماذا خلقت الشوك ولم تجعل الكلّ ورداً ؟
ولماذا خلقت الملح ولم تجعله سكّراً ؟ ولماذا خلقت الصبر ولم تجعله عسلًا ؟
وتجد جواب هذا على غاية ما يمكن من الشرح في مباحث الجبر والاختيار والقضاء والقدر من آخر هذا الجزء ، فراجع إذا شئت « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال 8 : 37 .
( 2 ) راجع ص 366 وما بعدها .