فلا لجاء ولا وزر ؟ !
أين عزب حلمك عنك يا هذا ، وأين طاحت بك الطوائح ؟ !
وأمّا والحرمات والذمم ، لولا أنّ العناية لطفت بالعباد وألَهت أفكارهم بالشواغل المادّية عن التوغّل والإمعان في هذه الخواطر الراهنة لترك الناس عمارة الدنيا وسكنوا في شعف الجبال « 1 » ومغارات الأرض ، ولَعجّوا عجيج الوحوش في الفلوات ، أو لخفتوا خفوت النينان « 2 » في قعر الغمرات ، ولأنقطع النسل وبطل العمل ، وعادت الأرض إلى شكلها الأوّل ، ويا حبّذا لو يكون ! وإنّه لكائن .
قل لي إذا أبصر الإنسان هذا الخطر المحدودق به والبلاء المطلّ عليه وأمعن الفكر في ذلك وذهب به كلّ مذهب ، فأيّ شيء يسكّن لوعته ويبرّد غلّته ويكفّ من غرب جماحه وهيجان أشجانه وجزعه من كلّ الحياة ولذائذها والدنيا ونعيمها ؟ !
تلك اللذائذ التي هي كالسمّ في الدسم وتخيّل السمن في الورم . .
تلك اللذائذ التي ما من واحدة منها إلّاوهي محفوفة بالآلاف من العناء والشقاء والكدر والبلاء . .
كيف يهدأ والحوادث والصروف كلّ آنٍ تتهدّده بكلّ خطر وكلّ رزية ، لا يعرف بأيّ حجر يرمى ، وبأيّ عثرة يعثر ، وبأيّ بقعة يموت ويقبر !
أُقسم بكلّ غموس من الأيمان المحرّجة إنّ الإنسان لولا سلوة الدين
هامش
( 1 ) شعفة الجبل : أعلاه . والجمع : شِعاف . ( جمهرة اللغة 2 : 869 ) .
( 2 ) النون : الحوت . ( العين للفراهيدي 8 : 396 ) .