بالذي يغتذي يموت ويحيى * أقتلُ الداء للنفوس الدواء
قل لي أيّ ملك لا يأسف لماضي عمره ، ولا يبكي على فقد شبابه وريعان صباه ، ولا يهمّ لطول بقائه ويجزع لتذكّر موته ؟ !
وكفى بهذا همّاً قاتلًا ووجداً رسيساً « 1 » وداءً دخيلًا ، يكدّر كلّ صفو ، ويذهب بكلّ زهو ، ويعكّر كلّ نمير .
بله ، ما يتوارد عليه من صروف الزمان وعثرات الليالي والأيّام ونكبات الدهر من غلبة أضعف الدول عليه ، أو ثورة الرعايا وترصّدهم له وتربّصهم فيه العزل أو المنون ، إلى ما لا يحصى من أمثال ذلك .
هذا حال الملوك ، فما ظنّك بالسوقة والرعايا ؟ !
وإنّي لأرى من العبث توسيع نطاق هذه الجملة وإطالة أمراس « 2 » البيان فيها ، وهل بعد المشاهدة والعيان من حاجة إلى البيان ؟ !
كم رأيت أنت وسمعت من رجال بلغوا من عظمة السلطان وسعة الملك أن سجد الناس أمام أرائكهم ، وعبدوهم دون خالقهم ، وطافوا يستدرّون أخلاف الأرزاق بأكفّ الضراعة والإملاق حول عروشهم ، قل لي ماذا كان مصيرهم ، وإلى أيّ غاية وصل صغيرهم وكبيرهم ؟ !
ألم يدسّوا في حفائر الأرض كما تدسّ الجيف والأقذار ؟ ! ألم يستنزلوا من مشرفات القصور إلى مظلمات القبور ، وطاشت بهم أهواء الفخفخة والرفعة الخادعة ، ثمّ أهوت بهم كما تهوي الزوابع بعاليات الشجر إلى وهدة الحضيض ،
هامش
( 1 ) الرسيس : الثابت . ( صحاح اللغة 3 : 934 ) .
( 2 ) المَرَسة : الحبل . والجمع : مَرَس ، وأمراس جمع الجمع . ( لسان العرب 13 : 78 ) .