المخاصمات ، وعلى محضر أيّ محكمة - بعد العقل والوجدان - تعرض المخاصمة وتفصل المحاكمة ، وعلى ماذا يعوّل العلم والأعلام ويبتني سند الحكماء والأحكام ؟ !
يقولون : ( لا معوّل للعلم إلّاعلى ما يحسّ بإحدى الحواسّ الخمس ) « 1 » .
إذاً فقد جحدوا نفوسهم وأنكروا عقولهم ؛ إذ من المتسالم عليه - حتّى عندهم - أنّهم لو وضعوا أعظم تلسكوب أو مكرسكوب وأكبر مجهر من النظّارات ، ونظروا إلى كلّ خليّة من خلايا الجسد وكلّ دقيقة من دقائق المادّة ، وفصّلوا كلّ جزءٍ من أجزائه عن أخواته ، ونفذوا إلى أعمق أغواره وأغور أعماقه
هامش
( 1 ) هؤلاء هم أصحاب المذهب الحسّي أو التجربانية (Empiricism) . والمذهب الحسّي يقول بسبق التجربة الحسّية على العقل ، ويقصر المعرفة على ما يدرك بالاختبار الحسّي فقط .
ومن ممثّلي هذا الاتّجاه قديماً : لوسيبوس ، وديمقراطيس ، وأبيقور . ومن المحدثين : فرنسيس بيكون ، وجون لوك ، وديفيد هيوم ، وغيرهم . ( موسوعة المورد 4 : 56 ) .
قال بروتاغوراس رأس السوفسطائية : ( إنّ الإدراك بالحسّ هو المصدر الوحيد للمعرفة ) ، ومع ذلك فهذا الإدراك إنّما يعرّفنا ظاهر الشيء فقط لا حقيقة الشيء نفسه . ومن أجل هذا كان كلّ رأي ينشأ عن الإدراك بالحسّ صحيحاً عند المحسّ وحده ، بل صحيحاً في لحظة واحدة ، وهي اللحظة التي حصل بها الإدراك ، أمّا الصحّة العامّة المطلقة فلا وجود لها ، وإذا كانت معرفة الإنسان لا منبع لها غير الإدراك بالحسّ وكان شأن الإدراك ما ذكر ، كانت معرفة الإنسان غير موثوق بصحّتها .
وقد سلّم أفلاطون بهذا الرأي ، وهو أنّ الإدراك بالحسّ إنّما يكون معرفة وقتية ، وعنده أنّ هذا الإدراك إنّما يعرّفنا ظواهر الشيء لا حقيقته ، ولكنّه لم يقصر الإدراك على الحسّ فقط .
وبينا بروتاغوراس يقول : إنّ معرفة الشيء لا يمكن نوالها ، إذا بأفلاطون يقول - وذلك في كتابيه : تيتيونوس ويتمايس - بإمكان المعرفة ، وقال : إنّ ما يقرّب إلى المعرفة هو الرأي الصحيح الذي يستطيع الإنسان أن يبرهن عليه . ويعني أفلاطون بالمعرفة : معرفة حقائق الأشياء . فهو في قوله هذا من العقليّين .
راجع : الإسلام يتحدّى 26 - 27 و 45 ، الفكر الإسلامي الحديث 297 ، مبادئ الفلسفة 193 .