ولكن ذلك إنّما هو من شرف صحبتهم ، والسعادة بخدمتهم ، والتلقّي من فيوض نفحاتهم وبركاتهم ، والترقّي في معارج الكمال بمشاهدتهم وتربيتهم :
« ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ »
« 1 » .
نعم ، الصحيح من تلك العلوم نِعم المعين والمساعد على تصحيح العقائد ودفع شبه المعاند ، ونِعم سبيل السداد للهداية والإرشاد وتحصيل الجزم والاعتقاد .
ولكن لمن كان من أهل القرائح السليمة والأذواق المستقيمة ، لا من تناهى في طرفي الإفراط والتفريط إلى الحدّة والجربزة « 2 » أو الخمود والبلادة ، فإنّ الخوض في تلك العلوم لهؤلاء سمّ قاتل وهلاك عاجل ، يعرف ذلك منهم العارف الحاذق والطبيب المرافق ، فيجب عليه - إذا أحرز منهم ذلك - أن يتلطّف لهم في تحصيل الاعتقاد الصحيح بالإقناعيات والمسلّمات ، لا بالبراهين التي هي معرض التشكيكات ومجال المناقشات ، حتّى يوصلهم بلطائف الحيل إلى نجاتهم بالعلم والعمل ، و : « كلٌّ ميسّر لما خلق له » « 3 » ،
« وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ »
« 4 » ،
« وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ »
« 5 » .
وحيث استبان أنّنا مجبولون - حسب طباعنا وغرائزنا - على البحث
هامش
( 1 ) سورة الحديد 57 : 21 ، وسورة الجمعة 62 : 4 .
( 2 ) جربز الرجل : ذهب ، أو انقبض . والجُربُز : الخدّاع من الرجال ، وهو دخيل . ( لسان العرب 2 : 231 ) .
( 3 ) لاحظ القضاء والقدر للبيهقي 122 و 124 .
( 4 ) سورة الأعراف 7 : 196 .
( 5 ) سورة العنكبوت 29 : 69 .