ولهذا يمكن القول : إنّ مضمون الحياة الجديدة التي أنشأها الإسلام ، وفي ظلّ شريعته الغرّاء ، يحتوي على نماذج حياتية تختلف كلّياً عن تلك التي قامت عليها حياة الناس من قبل ، من جاهلية مشركة ، ومسيحية محرّفة بعدما فقدت بريقها وأصالتها جرّاء أيدي العابثين والمبطلين ممّن تجرّأوا على أن يقدموا على أفعال خشيت الجبال من حملها ، وتجاسروا على الانقضاض على أغلب تعليمات السيّد المسيح عليه السلام وقيم السماء التي جاء بها .
الإسلام . . النمط الجديد
ولم يعد خافياً على أحد أنّ نمط الدين الجديد الذي بات يكتسح كلّ العراقيل التي وُضعِت أمامه ، ويخترق كلّ الحدود الموضوعة ، وأضحى قوّةً عالميةً جديدة ينبغي أن يقام لها وزن في العالم آنذاك ، أنّ نمط هذا الدين بدأ يكتسب بُعداً خاصّاً يُحسب له حسابه ، ومفهوماً اجتماعياً شاملًا تلتحم في إطاره جميع الأوجه : الاقتصادية والسياسية والتقنية والثقافية والتعليمية ، إضافة إلى الأُطر الإيديولوجية الحديثة ، ممّا يشكّل في النهاية مدرسة حضارية متكاملة قائمة على أُسس ومبانٍ أبهرت الناس ، وجذبت اهتمام حتّى من كان يقطن الأقطار البعيدة عن هذه الحوادث المتلاحقة والمتسارعة ، من خلال ما تنقل عبر التجّار والمسافرين من أخبار وتطوّرات متعلّقة بهذا الدين الجديد .
ولكن هذا لا يعني أنّ الإسلام كان يلغي بالضرورة جميع تأثيرات التراكمات الحضارية والآثار الموروثة بالمرّة ، بل أثبت ما هو صالح وما لا يخالف قيمه ومبادئه وأخلاقياته ، وكلّ ما هو يوائم الفطرة ولا يعارضها ، ممّا لا يؤدّي إلى خلخلة البنية الاجتماعية التي راح يؤسّس قواعدها ويرفع من