إنّ سلسلة هذا الكون التي لا أعلم متى كان أوّلها ومتى ينتهي آخرها ما أثبت لنا فيها العلم والتاريخ - إن صحّ - سوى أفراد نادرة تكون على الحال التي وصفت من الشرف الذاتي والكمال الغريزي ، وقد قضت النواميس المتنفّذة في الأكوان واستمرّ مريرها على ربط المسبّبات بأسبابها ، والوصول إلى الغايات من مبادئها ، والتكلّة على الصدفة ضلال ، والطفرة إلّابالإعجاز محال .
وقصاراي من هذه السانحة : أنّ أقصى منازع الإنسان هو تحصيل الشرف ، وأقصى غايات الشرف هو نيل الحياة السعيدة التي ليس لها انتهاء ولا تشوبها شيّة شقاء ، وأنّ مبادئ هذا الشرف وأسبابه هو ما يقدّمه الساعي لنفسه من المآثر التي تعود بنفعٍ ما على أُمّته وأبناء ملّته ، فتخلّد - فيما بينهم - ذكره الجميل .
إنّ الأثر الجميل الذي سيخلّفه فيما بينهم لا محالة سيعود عليه بما هو أجمل وأهنى . . سيعود مضاعفاً عليه من كلّ فرد منهم دائماً بدوام الانتفاع به واصلًا إليه في أيّ وادٍ درج وفي سلّم أيّ سماءٍ عرج ، و : « الجزاء من جنس العمل » « 1 » ، وما :
« جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ »
« 2 » .
فكثرة الصلاة والصوم والتسبيح وأضرابها من العبادات النفسية وإن كان لكلٍّ فضل ، ولكن ليست من الشرف في شيء ، فإنّ كيلها موزون وقسطها معلوم ينقطع ولا يدوم ، فاحتفظ على هذا وتدبّره ، وقف به على حدوده ولا تتطرّف فيه .
هامش
( 1 ) قارن : المقاصد الحسنة 173 ، الشذرة 1 : 233 ، كشف الخفاء 1 : 397 ، النوافح العطرة 115 ، أسنى المطالب 178 .
( 2 ) سورة الرحمن 55 : 60 .